
الأسطورة والسياسة … لدعم الغربي الراسخ لإسرائيل الدوافع والأبعاد .. لمؤلفه المهندس الدكتور عماد الكيالي
الشعب نيوز:-
مراجعة وعرض د. نائلة الوعري
يُعَدّ هذا الكتاب من أهم إصدارات المهندس عماد الكيالي، وهو مثقف فلسطيني مقيم في كندا، وبالرغم من تخصّصه في ميدان الهندسة المعمارية، إلا أنه يُعَدّ مفكرًا ومؤرخًا وناشطًا سياسيًا ضالعًا بالبحث في الرواية الفلسطينية ونضالها العادل والمشروع في سبيل الحرية والاستقلال، ونقد الأدبيات والروايات – السرديات – الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الغربية المنحازة للمشروع الاستعماري في فلسطين، وقاعدته المتقدمة في قلب المنطقة العربية النابضة بالحيوية والمتمثّلة ب إسرائيل. وقد صدر الكتاب عام 2025 عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر» الرائدة في بيروت.
واختار الكيالي له عنوانًا لافتًا قوامه: «الأسطورة والسياسة: الدعم الغربي الراسخ لإسرائيل – الدوافع والأبعاد»، ووشّح غلافه برسم طائر العنقاء، رمز الأسطورة والخرافة الشائعة في الثقافة الغربية، وهو يهمّ بالطيران من بين ركام الأدبيات والوثائق واللفائف الزاخرة بالأساطير التي استخدمها، وما زال يستخدمها، الغربُ الاستعماري مبرراتٍ فاعلة في توفير الغطاء الديني والقانوني والأخلاقي للسياسة الاستعمارية التي يمارسها منذ أن نشأت فكرة الصهيونية العالمية في أحضانه الاستعمارية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وحتى اليوم، والتي بلغت ذروتها في دعمه لدولة إسرائيل بشتى الطرق والوسائل وعلى كافة الأصعدة المادية والمعنوية.
وممّا لا شك فيه، فقد أظهر الكتاب، بما يحمله من مضامين، قدرًا كبيرًا من صورة الدعم الغربي اللامحدود لإسرائيل، القائم على نفخ الهواء في رماد الأسطورة الغربية للدفاع عنها خلال حرب الإبادة، محطّمًا كل مقاييس المقارنة إزاء ما حصلت عليه منذ قيامها على أرض فلسطين عام 1948 وحتى اليوم، وهو ما منحها فرصة لا حدود لها في ممارسة حرب الإبادة الجماعية والتطهير العرقي بوقعٍ أشدّ ممّا شهدته قبل انطلاقها في 7/10/2023، وفي الوقت نفسه بيّن التعمّي وغضّ الطرف عمّا تقوم به من جرائم، والوقوف إلى جانبها في المحافل الدولية، والتصدّي لكل من حاول إدانتها بحجج العداء للسامية والإرهاب والمبالغة في الادعاء وعدم وضوح الأدلة.
وقد ضمّ الكتاب بين دفّتيه (639) صفحة من القطع المتوسط، تقاسمتها (21) فصلًا موزّعة على خمسة أقسام، تتمحور حول فهم وتحليل الروابط القوية القائمة بين الأسطورة والسياسة الاستعمارية، ودعم الدول الغربية الراسخ لإسرائيل، والدوافع والأهداف السرّية والعلنية التي حملتها على ذلك، معزَّزة بمجموعة غنيّة من الاقتباسات الدالّة، والملاحق التوضيحية، والمصادر والمراجع الأولية التي اعتُمدت في صياغة نصوصه ومضامينه والمثبَتة في فهرس المحتويات، وبطريقة أخرى إتاحة المجال للقارئ لمقارنة الرواية الغربية القائمة الكيالي على الأساطير والخرافات بالرواية الفلسطينية التي تأبى النسيان، ونضالها الوطني العادل، وصلابتها وبسالتها في ميادين المواجهة مهما بلغ حجم التحديات، مسلّحة بالإرادة الشعبية العصية على الانكسار ومؤازرة أحرار العالم.
انطلق الكيالي في تأليفه بناءً على مجموعة من الدوافع والأهداف والغايات، والتي يمكن جمالها فيما يلي:
توافر المصادر والمراجع وأدبياتها الغزيرة والمتنوّعة اللازمة لتحليل وصياغة المحتوى، والتي واكبت مسيرة حافلة من الانحياز والتبرير والتحالف الصهيوني–الغربي، وبلغت ذروتها مع تنامي حركة الاستعمار والمصالح المتبادلة، وتمّت صياغة نصوصها بصورة سرّية أو علنية، وشارك في ذلك قطاع واسع من المجتمعات الغربية بمؤسساتها وهيئاتها الرسمية والشعبية، وتم الترويج لها عبر وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية.
الخبرات الميدانية التي بدأت في ثمانينيات القرن الماضي، وسعة الاطلاع التي اكتسبها الباحث نتيجة المتابعة والمطالعة الحثيثة والإقامة في كندا.
إيمانه بالرواية الفلسطينية وعدالة قضيتها، وحرصه على حفظها والدفاع عنها في مواجهة الرواية الاستعمارية التي ما زال قطاع واسع من المؤسسة الرسمية والشعبية في الدول الغربية مؤمنًا بها، ولم يدّخر جهدًا على كافة المستويات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في توفير الدعم اللامحدود لدولة إسرائيل، والكيل بمكيالين، والتغنّي صباح مساء بالأخلاق والديمقراطية وحقوق الإنسان ومحاربة التمييز العنصري… إلخ.
تفنيد الرواية الاستعمارية وما تقوم عليه من خرافات وأساطير، وتعزيز مكانة الرواية الفلسطينية التي طالما وُصفت بأوصاف لا تمتّ إلى الواقع بصلة.
إظهار مدى الدعم المادي والمعنوي، السرّي والعلني، الذي تتمتع به إسرائيل من الغرب على المستويين الرسمي والشعبي منذ أن بدأت فكرتها الأولى بإقامة المستوطنات الأولى في فلسطين وحتى اليوم.
لفت نظر العرب والمسلمين بهيئاتهم الرسمية والشعبية إلى ما تتلقّاه إسرائيل من الغرب، لأخذ العبر واتخاذ الإجراءات اللازمة لتنظيم علاقاتهم الخارجية مع الدول الغربية، واستخدام مقدّراتهم المادية والمعنوية في مؤازرة القضية الفلسطينية.
لفت نظر الباحثين والمهتمين، وفي مقدّمتهم العرب والمسلمون وأحرار العالم أفرادًا ومؤسسات، إلى الاهتمام والتعمّق في إقامة دراساتهم المستقبلية في العديد من المجالات التي طرقها الكيالي وتحتاج إلى مزيد من البحث والاستقصاء.
إبراز دور المثقفين الغربيين الموضوعيين أصحاب الضمائر الحيّة الذين لم ينساقوا كالقطيع وراء المؤسسة الاستعمارية وما ابتدعته من أساطير وخرافات تبريرية، وهو ما عزّز من قوة الرواية الفلسطينية في مواجهة الأساطير السياسية الاستعمارية.
اتّبع الكيالي في عرضه المنهج التاريخي الوصفي التحليلي، وجاء ثمرة جهود حثيثة من المتابعة والبحث والاستقصاء في الثقافة الغربية، والإحاطة الواسعة بالأدبيات المتعلّقة بتفاصيل التحالف الصهيوني الاستعماري.
وبذلك تمحورت فلسفة الكتاب حول تشخيص العلاقة العضوية القائمة بين الصهيونية، بصفتها إحدى أذرع الاستعمار الغربي الحديث، والدول الاستعمارية القائمة فيما وراء البحار، باعتبارهما وجهين لعملة واحدة، وتقديم الشواهد المادية والمعنوية الدالّة على ذلك، والتي يصعب معها الانفصال والتراجع، بل تسير في سياق ديني ونزعة إيمانية محفوفة بالمباركة والندم والتقصير، بالرغم من الدعم المادي والمعنوي اللامحدود.
العرض : قُدِّم المحتوى بلغة عربية واضحة وأسلوب شيّق بعيدًا عن الغموض والتعقيد، ونقل القارئ من فكرة إلى أخرى دون أن يشعر بالكلل أو الملل، بالرغم من سعته وضخامة حجمه الذي امتدّ في (639) صفحة، ويمكن أن يُبنى عليه في المستقبل القريب كي يرقى إلى العمل الموسوعي، لينضمّ إلى باقة الأعمال العربية الموسوعية المتخصّصة أسوةً بما قام به المسيري.
وبالرغم من الغياب السافر للموضوعية في العلاقة بين الأسطورة والسياسة، وكيلها بمكيال المؤسسة الاستعمارية، والنظرة الأحادية الجانب، والظلم والمعاناة التي كان وما زال الشعب الفلسطيني يعاني منها، إلا أن الكتاب لم يُغفل الجانب الموضوعي في الطرح والتحليل، ولم يدخل في المبالغات أو تحميل النصوص أكثر ممّا تحتمل، ومنها ما تم الإفصاح عنه من كبار المسؤولين الغربيين علانية أمام وسائل الإعلام.
وفي ضوء ذلك، لم يُهمل الكيالي «الرواية البديلة»، والتي أفرد لها القسم الأخير من كتابه بوصفها نتاجًا لتحوّلات متراكمة في الوعي العالمي، برزت على نحو أوضح في سياق الحرب على غزة، والتي شكّلت لحظة كاشفة أظهرت حجم التناقض بين الخطاب الغربي المعلن حول حقوق الإنسان، وبين الممارسات السياسية الفعلية التي منحت الغطاء الكامل لإسرائيل رغم حجم الدمار والضحايا المدنيين.
ويؤكد الكيالي أن هذا الحراك، على الرغم من زخمه الرمزي والأخلاقي، لم ينجح بعد في إحداث تحوّل بنيوي في السياسات الغربية، إذ ما تزال المصالح الاستراتيجية والاعتبارات الجيوسياسية هي الحاكمة لمسار القرار السياسي، إلا أن أهميته تكمن في كونه يمثّل بداية تصدّع في البنية السردية التقليدية، ومؤشرًا على تشكّل وعي عالمي جديد يعيد مساءلة المسلّمات التي حكمت العلاقة بين الغرب وإسرائيل لعقود طويلة.
المحصّلة : بعد أن طاف الكيالي بالقارئ في العديد من المحطات التي توضّح الروابط الوثيقة بين «الأسطورة والسياسة والدعم الغربي الراسخ لإسرائيل»، خلص الكتاب إلى أن معركة الرواية لا تقلّ أهمية عن معركة الأرض، وأن تفكيك الخطاب المهيمن شرط أساسي لأي مسار تحرّري حقيقي، وبذلك يشكّل إضافة نوعية إلى المكتبة العربية، ليس فقط بوصفه عملًا توثيقيًا، بل بوصفه دعوة فكرية مفتوحة لإعادة التفكير في العلاقة بين المعرفة والسلطة، وفي مسؤولية المثقف تجاه الحقيقة العادلة.