
عندما كان الجوع فنا.. سعيد ذياب سليم
الشعب نيوز:-
منذ سنوات، كنا نتناقل بدهشة أخبارًا عن غرائب بشرية: رجلٌ يأكل الزجاج، أو ينفث لهبًا، أو يسير على الجمر. ترى ماذا حلّ بهؤلاء؟ وهل ما زالت عروضهم تُعدّ فنًّا، أم مجرّد إثارة عابرة؟
واليوم، في عصر شاشات الهواتف الذكية، ماذا نختار أن نشاهد في وحدتنا؟
هل نعود إلى أفلام مثل تايتانيك، لجيمس كاميرون أو العصفور ليوسف شاهين؟
أم أن السينما فقدت سحرها؟
لذا سنبحث عن شيءٍ خاصٍّ ومثير، قادر على شدّ انتباهٍ أنهكته السرعة؟
يتميز عصرنا بما يوفّره من إثارةٍ لا تُـشبِع، متعةٍ تتركنا ــ على نحوٍ متناقض ــ جوعى.
جوعى لمزيد من الإثارة و “الترند” .
ذلك الجوع الذي كان، يومًا ما، يُقدَّم بوصفه عرضًا فنّيًا.
قد يكون الجوع قد انتهى، أو كاد، بوصفه عرضًا للفرجة،
لكنه لم ينتهِ كفعلٍ إنسانيٍّ قاسٍ، ولا كعلامة رفضٍ ومقاومة.
ما زلنا نراه في زنازين السجن الانفرادي، صمتًا معلنًا في وجه القهر،
ونراه في العالم واضحًا، فاضحًا، يؤلم إشعاعه أعيننا وقلوبنا.
فما يُرى في غزّة ليس جوعًا عاديًا،
بل قهرٌ وحصارٌ وعدوان، يتغذّى على تجويع الجسد، وكسر المعنى.
عندما يتحوّل الجوع إلى عرضٍ فني، إلى أداءٍ يُقدَّم كما يُقدَّم العرض المسرحي، أو كما يُستعرَض الحيوان في حديقة الحيوان ــ أسدٌ يزأر أو قردٌ يرقص ــ هل يغيّر ذلك من نظرتنا إلى الحياة أو إلى غايتها؟
هل نذهب لمشاهدة هذا العرض فعلًا؟ عرضٍ يقدّمه صاحبه بشغفٍ وإخلاصٍ واستمرارية، يتجاوز في كل مرة الرقم الذي حققه سابقًا؟ أم أن رؤية بؤسه، وسقمه، وهزال جسده تُتعبنا؟ هل نحتمل معاناة تُعرَض بلا ذروة، بلا خلاص؟
وما دور الفن إن لم يُصوّر الحقيقة بكل بشاعتها؟
وأيّ معنى يبقى للإنسانية إن كانت معاناة الآخرين لا توقظ فينا سوى السخرية أو اللامبالاة، حتى لو كان المتألّم كائنًا تحتضنه وحدته خلف القضبان؟
من هنا، يطرح فرانز كافكا قصته “فنان الجوع”.
تحكي القصة عن رجلٍ جعل من الصوم الطويل فنًّا يُعرَض أمام الجمهور. يُراقَب داخل قفص يحلس فيه على كومة قش، تدق فوق رأسه ساعة تسلي وحدته، تُحصى أيام جوعه وتسجل على لوحة تُجدّد يوميا، ويأتي الناس ليتفرّجوا عليه كما يُتفرّج على حيوان في حظيرة. في البداية يحظى بالاهتمام بوصفه ظاهرة فنية مدهشة، لكن العرض سرعان ما يبهت، والجمهور يملّ، ومعاناة الرجل تفقد معناها. ينحسر الضوء من حوله، فلا يجد له مكانًا إلا قفصًا مجاورًا لحيوانات السيرك، يمرّ به الناس في طريقهم إليها دون اكتراث.
يُترك هناك، يُنسى، حتى يموت.
وفي لحظاته الأخيرة تنكشف الحقيقة القاسية: لم يكن صومه بطولة ولا زهدًا متعاليًا، بل عجزًا ــ إذ لم يجد طعامًا يحبه. وبعد موته، يُستبدل بنمرٍ نشيط، يأكل بشراهة، يفيض بالحيوية، ويجذب الجمهور من جديد.
هل يقول لنا كافكا إن الناس لا تبحث في الفن إلا عن الإثارة والغواية؟
هل يهربون من المعاناة، من المعنى، من الصمت الذي يضعهم وجهًا لوجه مع فراغهم؟
تُظهر القصة أن الفن الذي يتطلّب صبرًا وتأملًا لا يصمد طويلًا أمام ثقافة الاستهلاك، وأن الجمهور لا يحب المعاناة الصامتة حين لا تُترجَم إلى متعة فورية. فالإنسان عرف الجوع جوعًا جسديًا، وعرف الصوم طقسَ عبادة في ديانات عديدة، يُطهّر به الروح. لكن كافكا يقدّم هنا جوعًا من نوع آخر: جوعًا إلى المعنى، إلى الانسجام مع الذات، إلى نبذ الزيف. إنها معاناة الإنسان الذي يعيش وفق قناعته الداخلية، حتى لو قادته تلك القناعة إلى العزلة أو الهلاك.
وتأكّد، يا عزيزي القارئ، أن ما وصفه كافكا في هذه القصة لم يكن نكتة أدبية ولا فكرة وُلدت من فراغ. لقد استند إلى ظاهرة تاريخية حقيقية امتدت حتى ما قبل نهاية الحرب العالمية الأولى، حين كانت مهنة “فنان الجوع” قائمة بالفعل. كان الممثل يقدّم عرضه عبر صيامه العلني أمام جمهور يراقب جسده وهو يذبل، ويشكّ في صدقه، ويطالبه دائمًا بالمزيد من الإثبات. غير أن هذه المهنة بدأت بالأفول حين تغيّرت أذواق الناس، ففضّلوا المسرح الحديث والسينما الناشئة على المعاناة الصامتة، خصوصًا بعد أن ذاق العالم جوعًا حقيقيًا خلال الحرب.
وهكذا وجد فنان الجوع نفسه بلا جمهور، لا لأنه فقد قدرته على الصمود، بل لأن العالم لم يعد مهتمًا بسؤاله الأساسي: ماذا يعني أن تصمد؟ لقد كان يحاول أن يثبت قدرته على احتمال الجوع، لكنه في العمق كان يواجه افتقاره للمعنى أمام جمهور لم يعد يرى في معاناته سوى عرضٍ متقادم، أو خدعة محتملة، في زمن لم يعد يحتفي إلا بالحركة، والشهية، والحياة الصاخبة.
في قفصه، كان يغنّي ــ لا طربًا، بل ليؤكّد للجزارين الثلاثة الذين يراقبونه ليلًا ونهارًا أنه لا يتناول شيئًا. ومع ذلك، يتساءلون همسًا كيف يمكن أن يغني وفمه ممتلئ بالطعام؟ تدقّ الساعة بلا معنى، محاصِرة إياه بين الجوع وسوء الفهم والشك. وحين يبلغ الأربعين يومًا، يخرجه المشرف من القفص، لا لأن طاقته نفدت، بل لأن العرض انتهى، رغم يقينه أنه كان قادرًا على الاستمرار أكثر.
تتكثّف هنا الرموز: القفص، والجوع، والساعة، ثم النمر لاحقًا ــ لا لتحكي قصة رجل صائم فحسب، بل عزلة معنى لا يجد من يصدّقه.
يكشف لنا في النهاية حقيقة صومه قائلا:
(لأنني لم أجد طعامًا يعجبني)
إذن لم تكن بطولة… بل استحالة الانتماء. هنا تبرز سيكولوجية المشاهد الذي لا يبحث عن الحقيقة، بل عن “الحياة” في صورتها البدائية والفجة. إن انتقال الجمهور من التحديق في هزال الفنان إلى الانبهار بحيوية النمر يمثل تحولاً جذرياً في شهوة الفرجة؛ فنحن اليوم نعيش عصر “النمر” بامتياز. المؤثرون وصنّاع المحتوى الذين يملؤون شاشاتنا ليسوا سوى النسخة المعاصرة من نمر كافكا؛ إنهم يضجون بالشهية، يستهلكون الطعام والسفر والسلع بشراهة أمام الكاميرات، ويقدمون لنا ‘استعراضاً للحياة’ يملأ فراغنا دون أن يطالبنا بالتفكير.
المشاهد المعاصر، الذي أرهقه “جوع المعنى” وصمت التأمل، يهرب إلى ضجيج “الموكبانغ” (Mukbang)، حيث تتحوّل فيديوهات التهام الطعام بشراهة إلى تحديات للاستهلاك الفائق، ولا مكان فيها للمعاناة الصامتة. لقد استبدلنا القفص الخشبي بالخوارزمية، وأصبح الفنان الذي يحمل قضية أو تساؤلاً وجودياً يقبع في زاوية منسية بلا مشاهدات، بينما يلتف الجمهور حول “النمر الرقمي” الذي لا يتوقف عن الزئير والتهام الأضواء، موفراً لنا متعة فورية تُعفينا من عناء مواجهة ذواتنا.
من المفارقات العجيبة أن مصير كافكا لم يكن أفضل من مصير فنان الجوع؛ فقد مات جائعًا، لأن إصابته بالسلّ الحنجري منعته من البلع.
سعيد ذياب سليم