
( ثقافة الموريسكيين هي امتداد للتراث الأسلامي في اسبانيا)
الشعب نيوز:-
المقدمة:
تشير بشرى الفيومي أن ادب الموريسكي التي انتجها الموريسكييون وهم السكان المسلمون والعرب الذين عاشوا في اسبانيا خلال القرنين السادس والسابع عشر ٠ ونشأ التقليد الأدبي في سياق واجتماعي معقد تميز بالضطهاد الديني والتبادل الثقافي.
حاورها: سليم النجار.
س: كيف تُعلّقين على محنة الموريسكيين بعد سقوط غرناطة؟
سقطت غرناطة سنة 1492، وتتابعت سياسات القمع: التنصير الإجباري، محاكم التفتيش، حظر العربية وحرق الكتب، فازدادت المقاومة وانتهت بثورة البشرات (1568–1570) ثم بمرسومات الطرد الكبرى 1609–1614. هذه المحنة كانت مأساة إنسانية وثقافية مركّبة إذ جمعت الاضطهاد الديني ونزع الملكية والتهجير القسري، والإبادة لطمس الوجود والحضور الإنساني والحضاري، فخلّفت خسائر اجتماعية واقتصادية جسيمة راح ضحاياه فكر حضارة حتى إسبانيا تضررت من هذه الخسارات وعانت منها إلى اليوم. بسبب هذه المأساة والتي آلت إلى أسوأ العواقب ألا وهو الطرد.المؤرخون المعاصرون يبرزون أن الطرد كان قرارًا سياسيًا لبناء دولة متجانسة أكثر منه ضرورة شعبية أو كنسية؛ حتى الفاتيكان لم يمنحه غطاءً كنسيًا رسميًا، وهو ما يفكك أسطورة “الإجماع” حول الطرد
س: هل صحيح أن أوروبا التي خسرت القسطنطينية عوّضتها بالأندلس؟
أولا: هذا التصوّر أسطوري/تبسيطي للحدث سواء فتح القسطنطينية او سقوط الأندلس، الأجدى أن يدرس بطريقة أخرى ، وبتساؤل آخر وهو الجيش الذي كثّف جهوده لفتح القسطنطينية العصية عن السقوط لأكثر من ألف عام ، لِمَ لم يكثّف ذات الجهود لدعم الأندلس والحيلولة دون سقوطها.
ثانيا: ليس بالمعنى الحرفي. سقوط القسطنطينية كان سنة 1453 بيد العثمانيين،وسقوط الأندلس كان سنة 1492بيد الممالك المسيحية . أوروبا لم “تُعوَّض” عن القسطنطينية بالأندلس، لكن تاريخيًا حصل توازن نفسي وسياسي: خسرت الشرق، فاستكملت استرداد الغرب الإسلامي. يمكن القول إنهما حدثان كبيران في صراع طويل بين العالمين، لكن واحدًا لم يكن تعويضًا مباشرًا عن الآخر، بل مسارين مختلفين انتهيا في قرنين متقاربين
س: تسمية “الأندلس”: عربية أم غير ذلك؟
تسمية “الأندلس” ليست عربية الأصل. بل هو اسم معرب مشتق من السكان الأصليين لشبه الجزيرة وهم إيبيريا الوندال (Vandals)، وهم قبيلة جرمانية مرّت بإيبيريا قبل الفتح الإسلامي، فصار الاسم في اللاتينية قريبًا من Vandalusia ثم عُرِّب إلى الأندلس.
س: ما مستقبل الموريسكيين في إسبانيا؟
راهنًا فكرة “موريسكيين” اليوم تتجسّد في الذاكرة التاريخية، والدراسات، وبعض أحفاد العائلات ذات الأصول الأندلسية في المغرب والمشرق، وفي مسارات إدماج سرديتهم ضمن التاريخ الإسباني الرسمي والمتاحف والبحث الأكاديمي. الموريسكيون اليوم ليس لهم “مستقبل” كجماعة قائمة في إسبانيا، ذاكرة تاريخية وهوية مظلومة يُعاد اكتشافها والاعتراف بها ثقافيًا فقط.
س: كيف تُفسّرين أزمة الهوية للموريسكيين (حياتان/عقيدتان/لغتان…)?
تجلّت أزمة الهوية لدى الموريسكيين بوصفها نموذجًا كلاسيكيًا لازدواجية الانتماء الناتجة عن قمع الأقليات داخل بنية سلطوية إقصائية، حيث فُرض عليهم تمثّل هوية دينية وثقافية مغايرة لهويتهم الأصلية، فاضطروا إلى العيش في حالة من الانشطار الوجودي بين ذاتٍ باطنية تحافظ على الذاكرة الإسلامية ولغتها ورمزيتها، وذاتٍ ظاهرية تتقمص الخطاب المسيحي والثقافة القشتالية اتقاءً للعقاب والملاحقة. هذا التوتر المستمر بين الهوية المفروضة والهوية المتجذّرة أنتج وعيًا مأزومًا يقوم على الازدواج اللغوي والعقدي والسلوكي، وأسّس لشعور عميق بالاغتراب وعدم الاعتراف، حيث تحوّلت الذات الموريسكية إلى فضاء صراعي تتقاطع فيه آليات الطمس الثقافي مع استراتيجيات البقاء الرمزي، في سياق تاريخي مارس فيه المركز المهيمن سياسات التنميط، الإقصاء، ونزع الشرعية عن هوية الأقلية، بما جعل الوجود ذاته فعل مقاومة صامتة وهوية معلّقة بين الاندماج القسري والهوية التي تنخر في كامل تفاصيل الحياة ومن المحال نسيانها او التخلي عنها.
س: ما الذي أوصل الإنسان الأندلسي لهذا الحال، وجعل الأندلس صريعة؟
بذور الصراع العربي السياسي الذي القت بذرته في تاريخ الأندلس منذ عام الفتح على يد موسى بن نصير وطارق بن زياد. وقصة خلافهما مشهورة. مع أن الأندلس في المقابل كانت فيها أهم مقومات الحياة والاستمرارية المتجددة إذ تجلت على أرضها أجمل وأعمق صور الاندماح و الانصها مع الآخر. لكن للأسف كانت سوداوية الصراع والنزاع السياسي أشد قوة وبطشا .
س: هل كانت الأندلس أكبر نكبة وملحمة في التاريخ الإسلامي؟
لا أستيطيع أن أجزم ، و هي نكبة لها تداعيات مدمرة على صعيد الإنساني والتاريخي، وفي الذاكرة العربية تُوصَف الأندلس بـ“النكبة”، هذا التوصيف الوجداني الذي يعكس مدى الوجع الذي تحمله هذه الذكرى؛ لكن تاريخيًا هناك محن أخرى جسيمة (سقوط بغداد 1258، الاستعمار الحديث… إلخ). الأندلس مميّزة لأنها تمثل خسارة فضاء حضاري متكامل دام ثمانية قرون، ولأن الطرد الموريسكي مثّل تطهيرًا دينيًا ممنهجًا داخل أوروبا .
س: هل تصلح المقارنة بين القضية الفلسطينية وقضية الموريسكيين؟
تصلح المقارنة بين قضية الموريسكيين والقضية الفلسطينية من حيث البنية العامة للاضطهاد الاستعماري القائم على نزع الأرض والهوية ومحاولة إعادة تشكيل الوجود الأصلي قسرًا ضمن منظومة إقصائية، حيث يشترك الطرفان في التعرض لسياسات الطمس الثقافي، ونزع الشرعية عن الذاكرة الجماعية، وفرض سردية الغالب بوصفها “التاريخ الرسمي”. غير أن الاختلاف الجوهري يكمن في أن الموريسكيين انتهوا تاريخيًا إلى الإبادة الرمزية والطرد الكامل من المجال الجغرافي، بينما ما تزال القضية الفلسطينية تمثل صراعًا حيًا مفتوحًا، تتجسد فيه الهوية كفعل مقاومة يومي لا كذاكرة منفية فقط. وعليه، فالمقارنة صالحة تحليليًا من زاوية آليات القمع والاستعمار الاستيطاني وأزمة الهوية، لكنها غير متطابقة من حيث المآلات التاريخية وسيرورة الصراع.
وهناك شعوب أخرى عاشوا نفس التجربة في التاريخ الإنساني كسكان أمريكا الأصليين، وسكان أستراليا ربما كانوا أقرب للقضية الفلسطينية لأنه تمت إبادتهم وطمس هويتهم. والشعب الفلسطيني باق بحضوره وهويته وحضارته إن شاء الله.
س: هل تم دمج الموريسكيين وتذويبهم في الثقافة الإسبانية؟
لا يمكن القول إن الموريسكيين تمّ دمجهم بالكامل في الثقافة الإسبانية، بل إنّ عمليّة الاندماج كانت جزئية ومُرَكَّبة، وغالبًا كانت نتيجة فرضية قسرية أكثر منها اختيارية. بعد سقوط الأندلس وفرض التنصير، حاولت الدولة الإسبانية طمس الهوية الإسلامية من خلال إجبارهم على اعتناق المسيحية واتباع العادات القشتالية، لكن هذا الدمج شكلي ومؤقت؛ فكثير من الموريسكيين احتفظوا بعاداتهم السرية ولغتهم العربية أو مشتقاتها، ما أنتج ازدواجية ثقافية مستمرة. إذن، لم يحدث تذويب كامل في الثقافة الإسبانية، بل تماهٍ شكلي اضطراري مع استمرار البقايا الثقافية والرمزية كدليل على هوية مضطهدة.
س: هل الثقافة الغربية المعاصرة تعترف بمأساة الموريسكيين؟
نعم لكن بشكل محدود ومجزأ. الثقافة الغربية المعاصرة تعترف بمأساة الموريسكيين غالبًا في إطار الدراسات الأكاديمية والتاريخية المتخصصة، حيث يُنظر إليهم كأقلية مضطهدة واجهت الطرد والإقصاء الثقافي والديني، ويُستحضرون كمثال على تداعيات سياسات الدولة القمعية تجاه الأقليات. وذلك ضمن دراسات سميت في الحقل الأكاديمي بـ “الموريسكولوجيا”
ومع ذلك، هذا الاعتراف ليس شاملاً في الوعي الجمعي الغربي العام، إذ غالبًا ما يُختزل دورهم إلى جانب “تاريخ الأندلس الإسلامي” أو يُذكرون كمعلومة تاريخية هامشية، دون التركيز على مأساة الاغتراب والازدواجية الهوية التي عانوا منها. بمعنى آخر، الثقافة الغربية المعاصرة تدرك الحدث تاريخيًا، لكنها لا تمنحه مساحة واسعة كرمز للعدالة التاريخية أو للمعاناة الإنسانية المستمرة، مثلما يحدث مع بعض القضايا الأخرى للأقليات.
س: ما مكانة قضية الموريسكيين في الثقافة العربية؟
على أهميتها الوجدانية، تُظهر الببليوغرافيا العربية قصورًا تاريخيًا مقارنةً بغزارة الإنتاج العالمي؛ مما حث الباحثين العرب إلى خطةٍ بحثية تُعنى بالأرشيفات العثمانية والمغاربية وتُصحّح المنهج وبدأ الباحث العربيي والهيئات الأكاديمية والجامعية تولي اهتماما حثيثا بها. من مثل مركز الدراسات والأبحاث الأندلسية – المغرب، ولعله من الرواد في ذلك، وكذلك المجلس الأعلى للثقافة – مصر وغيرها. ولا نغفل مفكرين ومؤرحين عرب له دور جليل في ذلك عبد الجليل التميمي وحسام شاشية ومحمد قشتيلو. وقد تكون ظاهرة أن الكثيير من الروايات العربية المعاصرة استلهمت الموريسكيين كمحتوى سردي . جانبا من هذا الاهتمام. ودلالة على أهمية مكانتها .
س: ما هي “ثقافة الموريسكيين”؟
ثقافة الموريسكيين هي امتداد حي للتراث الإسلامي في إسبانيا، تمثل فسيفساء معقدة من الموروث الديني واللغوي والاجتماعي والفني الذي حاولت السلطات المسيحية طمسه بالقوة، لكنها بقيت حية في البيوت والطقوس والممارسات اليومية، وتشمل اللغة العربية ومشتقاتها المكتوبة بالحروف اللاتينية، والاحتفالات الدينية المخفية، والفنون الشعبية والزراعية والمعمارية التي حافظت على الرمزية الإسلامية، إلى جانب نظام القيم الأخلاقية والاجتماعية الذي نظم حياة الجماعة وأسس لعلاقات تماسك داخلي رغم الضغوط الخارجية، وهي ثقافة قائمة على الصراع بين الوجود الظاهر الخاضع للسلطة والذات الباطنية المقاومة للحذف، وتجسّد بذلك تجربة مزدوجة للهوية والاغتراب، وتمثل إرثًا حضاريًا فريدًا يعكس قدرة الأقليات على صيانة تراثها في مواجهة محاولات الطمس والاندماج القسري، مما يجعلها نموذجًا لتفاعل الثقافة مع السلطة والقهر وأزمة الهوية التي تنتج عن سياسات الإقصاء والإجبار الديني والاجتماعي.