
استهلالية وتقديم كتاب ” تراتيل تل أبيل ” للاديب الدكتور هاني عبيدات. الصادر عن دار صامد للطباعة والنشر – لبنان
الشعب نيوز:-
كتب الدكتور سمير محمد ايوب
في نهاية العام المنصرم 2025، كنت أستعد لممارسة طقسي السنوي، الذي اعتدته وأنتظره عادة بشوق، لمحاصرة تركة من حقائق تحولاتي الشخصية الفعلية، التي مررت بها في ذاك العام، وترَكَت بصمتها على جُلِّ حياتي ولوَّنَتْها.
كنت أسير في الاتجاه الصحيح، لكن أعباء ثقيلة كثيرة داهمتني، إختبَرْتُ عبرها الكثير من أشكال التعب، مما جعلني أفقد الرغبة في إجراء هذا الجرد، وفقدتُ متعته تمامًا. وبِتُّ أبحث عن وصفات للتعافي مما أنا فيه.
ومع حلول العام الجديد، كانت نيّتي تتجه للاعتذارعن أي نشاط مباشرأو فعالية أدبية، لازدحام جدول أعمالي، فضلًا عن مشاغل الحياة التي لا تنتهي. وأعددت كلمات لطيفة للإعتذارعن ذلك، لكل من قد يقصدني لشيء من ذلك. وبِتُّ أبحث عن كتاب يُمَكِّنُني من الامساك ببوصلة، تساعدني على إعادة ترتيب تساؤلاتي، وتؤازر مسعايَ لاستعادة التوازن. فتوجه بصري إلى وصْفاتٍ جاهزة لضبط النفس، وشيء من التعافي. إنتظرت العثورعلى ضالتي، كتابٌ يُجاوِرُني ويُطَمْئِنَ خاطري.
كنت بحاجة لكتاب واحد، لقراءة بطيئة أستقرفيها على صفحة واحدة، أتذوق كل كلمة، وأتوقف عند كل مقطع، لأعيشه بالتفصيل. أنفصل عنه لحظات، ثم أعود إليه بعد حين، وقد تغير مزاجي أو اتسع فهمي. قراءة تتجاوز كونها مجرد نشاط ذهني، لتصبح إقامة ومكوثًا في عالم لا أرغب في مغادرته سريعًا.
تتطلب مثل هكذا قراءة لكتاب استثنائي. ينجح في عزلي عن باقي الكتب. وهو أمر نادرالحدوث للأسف. مما يضطرني لمعاودة التحليق بين صفحات العديد من الكتب ، التي تصلني أو تلك التي تقف في طريقي.
هكذا جاءت قراءة مخطوطة كتاب “ تراتيل تل أبيل “. فما ان استقرت إطلالة العام الجديد 2026، حتى بادرني الصديق العزيز د هاني عبيدات، برغبته بأن أتولى تقديم كتابه الثاني هذا، المعنون ب “ تراتيل تل أبيل”.
تصفحتُ الكتاب، وافقت فورًا، متجاهلًا الاعتذارالأنيق الذي كنت قد أعددته سابقا. لقيمة كاتبه لديَّ، الذي ترسخت جذريا معرفتي به، بعد ان قرأت وقاربت كتابه الاول الصادر في العام الماضي والمعنون “ ترانيم حوراني”. فقد أشعل ذاك العمل شرارة شغفي بالموضوع، وبالمكتوب، وبالكاتب. لم يفارقني هذا الشغف، وكان هو الدافع المباشر وراء قبولي. وأكثر من ذلك، وجدت ان حكاوى الكتاب الجديد، من أفضل النوافذ لمعاودة الإطلال على تدفقات الحياة، والانغماس أكثر في صخبها. غمرتني القراءة الأولية للكتاب بالدهشة والسعادة، فقلت لنفسي: هذا الكتابُ هو ضالتي التي كنت أبحث عنها.
مما شدني للكتاب همُّهُ الرئيس، الذي يتحدث عنه بصدق وبلغة هادئة. إنه تأملات أدبية يتحدث عن حدائقنا الخلفية وملاذاتنا، عن المساحات الصغيرة التي نحاول أن نعيد إليها النظام، وسط فوضى الحياة الحديثة، وصخبها وتقلباتها الاجتماعية.
الكاتب
إلتقيتُ الدكتور هاني عبيدات في اكثر من مناسبة اجتماعية، وفعالية ثقافية. حدَّثني خلالها عن نشاطاته وعن مشروعه الادبي، لكتابة نصوص نثرية واضحة قريبة من الناس. قرأت الكثير من حكاويه وخواطره، فوجدتها ذكية، مكتوبة بنَفَسٍ سرديٍّ مرهف لمّاح، وبلُغة مقتصدة في الأساليب البلاغية.
تطورت علاقتي النوعية الغنية بهاني مع الزمن، من إعجاب بكاتب يكتب في الهواء الطلق، بعيدا عن القاعات المغلقة، إلى مُتابعة واعية لمسار ادبي طموح له سواعد وسيقان ، مجتهدة في الأخذ بكل سبب يقربها من طموحاتها ومبتغاها.
عرفته إبنا بارّا ببيئته الصغرى الخاصة حوران. والأهم انه ليس بوقا لأحد، وبضميرحرغير مؤجر أو مرتهن لجهة ما، حريصا على أن يكون قريبا من الناس، منخرطا في تشخيص التحولات المتلاحقة في حواضنه، وتشابكاتها وانفتاحها على الممكن والمستحيل. ماهرٌ في اعتقال اللحظة القصصية، وإضاءتها بالتركيز دون تراخ أو استطراد.
وبالحوار المطول إتفقنا على ان الكتابة، وإن كانت لدى بعض الكتاب نوعا من العلاج، فإنّها طاقة للحياة، لا يظهر وهَجها إلا حين تغوص في أسرار الحياة. واتفقنا على أن الرافد الرئيس لنهر السرد وفرادة العمل الأدبي، تتمثل في روح الكاتب نفسه، فهو حتى لو ابتكر أحداثًا وشخصيات بعيدة عن تجربته، يظل يحمل لغته وإحساسه وخبراته، التي تمنح كل شخصية من ابطاله، شيئًا من أفكار وذكريات وأحلام وآلام الكاتب. وكلما كان الكاتب بارعًا، امتلك مهارة التخفّي في نصوصه بسلام. وفق هذا التصور، بِتْنا معا نرى في فعل الكتابة، طقسًا يتجاوز ممارسة الكتابة اليومية، إلى استدعاء للكائنات الحية، إلى مسرحٍ تُعاد فيه صياغة وجودها، تحت سلطة العين النقدية. شريطة الوعي دائما، على ان السارد ليس نبيًّا ولا مؤرخًا، وانما مُستكشف وجود. وأن مثل هكذا مُستكشف، يفضّل الأسئلة دائما على الأجوبة.
لم يتلكأ عبيدات بعقله الجريء، في الخروج من الذات وعبور الواقع، واستكشاف المزيد من تمظهراته، واستقرائه وتحقيق الاندماج به، لا الاستسلام له. وإعادة تشكيل رؤاه والبناء عليها. إنطلق بعقله النقدي في سعي معرفي صبور، لاستكشاف حواضنه. فصادف الكثيرمن الوقائع المفتوحة، التي تمتلك أسبابها الخاصة للانخراط في مقاربتها بالكتابة. لم يهرب ولم يحتار من تبعاتها، ليفهمها أعدَّ أسئلته واقترب منها متسائلا, فكَّكَها وأنصت لها. وامتشق قلمه محاولا تفسير معانيها ودلالاتها، وظائفها وتبعاتها. فكان هذا الكتاب حصيلة ذاك العبور.
هذا الكتاب الجامع بين الامتاع والإفادة، استكمالً لمشروع الكاتب العضوي هاني عبيدات، في الإسهام في كتابة التاريخ الاجتماعي والثقافي لبيئاته، وتحولاتها المختلفة، مسقط رأسه حوران والأردن وغيرها من أمكنة. أمضى فيها فترات طالت وقصرت مما مضى من عمره.
هذا الكتاب خطوة واثقة ثانية، تعزز موطئ قدمه في ممالك الابداع السردي الأدبي، تلي خطوته الأولى “ ترانيم حوراني “، التي أطل بها في العام الماضي 2025 على غيطان الأدب الجاد الملتزم.
هذا كتاب هجين، يجمع بافتصاد وتركيز، سواء على مستوى الفضاء اللغوي، من سرد ووصف وحوار، أو على مستوى الأحداث، أو المستوى الزمكاني والفضاء الدلالي، عبر أسلوب سردي متنوع، يتأرجح بين فنون وأساليب المقالة القصيرة، والخواطر الفكرية المتأملة، واليوميات. كاشفًا خلفية حياة أبطاله وتقاطعاتها مع مصائر الآخرين في مدارج ومعارج الحياة. صفحاته غنية بالحكايات والتجارب والملاحظات التي لا تثقل القارئ ولا تصيبه بالتخمة.
أود أن أقول: أن هذا الكتاب الأدبي النثري، يسعى للارتقاء بالوعي القرائي، لذا لا يمكن التهامه بسرعة كالوجبات السريعة. يدعوك بعد كل محطة قرائية للتوقف، مصغيا بانتباه لأصوات كنت تتجاهلها، للتبصر فيها. فمن خلال تتبّع ما كتب د هاني ، تبين لي أن هذه النصوص أبعد ما تكون عن تسجيل واقعي محايد، بل فضاءات مأهولة بأسئلة وجودية، نحتها في أقاصيص وخواطر، لا تنفصل عن شخصية كاتبها، وظروف حياته، ورؤيته للوجود والعالم. ولا تنفصل عن خلفيته الثقافية والنفسية، وتاريخه الشخصي.
منحازا في توليفتها ونكهاتها، إلى عمق تجربته وتفاصيلها، في أكثرمن مكان وبيئة اجتماعية وحضارية، أمضى في كل منها ردحا مما مضى من عمره. من خلال حواراته التي أجراها مع ذاكرته البانورامية، ومن خلال ارتيادها للكثير من مناطق الظل في حياتنا، نتعرف على مشاهد، تجمع بين المتعة الأدبية والمعرفة، التي تخدم الحياة كما يليق بالحياة ان تكون. فمن خلال هذه النصوص الأدبية المركزة، يحاول الكاتب أن يكشف لقرائه طريقة جديدة لفهم الحياة وكيفية العيش بها.
ومن ثم أقول، أن هذه النصوص النثرية الأدبية، محاولة سردية عذبة رشيقة، مفتوحة على عدة تأويلات، لا سيما تلك التي تتصل بالهوية، وتستدعي سيرة الوطن وإنسانه، وتحولاتهما، عبرالزمكان ومحدداتها، لذا فهي أبعد ما تكون عن تسجيلٍ واقعي محايد، بل هي فضاء مأهول بالأسئلة الوجودية.
من العنوان الرمزي المكثف، الذي يزين غلاف الكتاب كعتبة أولى له، يظهرأن الكاتب أراد تلميحا وتصريحا، أن يضع قارئه، أمام مفارقة سردية لافتة، لامتحان ذاكرته وهو يلتهم تراتيله. فأم الحكايات المسكوت عنها في التراتيل هذه، هي مرآة غيرها من الحكايات، هي مدينة أبيلا، الاسم التاريخي والروماني لقويلبة / حرثا كما أرابيلا لعروس شمال الاردن مدينة اربد، وتعني الارض الخصبة. أبيلا هي واحدة من أهم منعرجات حياة هاني، ركض عبر كل تضاريسها وحواجزها، هي جوقة من التراتيل والترانيم التي يتردد صداها في وعي الكاتب، حملها معه وعبره، إلى الكثيرمن الأزمنة والأمكنة التي ارتادها الكاتب او جابها في حياته.
أرابيلا عروس شمال الاردن، تستغور خبايا روح الكاتب، وتقتحم عينيه اللتين تستشفان الكثير من الجزئيات في حوران وبلاد الشام مهما دقت. تكشف لغة هذه النصوص القصيرة، أنّ كاتبها يرى أنّ اللغة في جوهرها، أداة لبلورة ما يُخامر ذهن الكاتب. لذا فهي ليست هدفًا يجعله مشغولًا بها، ومفتونًا بتضاريسها، ليقع في فخ الإسراف اللغوي، الذي قد ينال من النصوص ويجعلها مترهّلة. فظلت اللغة في هذا الكتاب سلسة تعتمد الإيحاء، تترك فراغات مقصودة، ليملأها القارئ بتأويله الخاص، مقتصدة في الوصف، الذي يضفي حسا بصريا إلى النصوص. متدفِّقة في السرد، وفي غاية التكثيف، دون أن يَسْقطَ الكاتب ضحيةَ التقريرية المباشرة، التي تغتال المتعة، ودون الوقوع في الخطابية أو المبالغة.
وقبل أن نودع هذة الانثيالات الأدبية السخية، أجد من الضروري، التأكيد على ما نُعاين عن قرب في غيطان الادب، من تسليع وتسطيح خاضع لقوانين سوق التسحيج وملمعي الحصى، وسيطرة وسائل التواصل الاجتماعي وتفضيلات ارباب العلاقات العامة، وشيلني تاشيلك على بعض المنابروالمحافل.
وختاما أود أن أردد على نفسي، وعلى سمع صديقي الدكتور هاني عبيدات، بعض ما علمتني الحياة، وعلى مسامع كل من نحب، أن الموهبة أو الكفاءة أوالمعرفة أو الخبرة، لاتنفع ولا تعني شيئًا، إن لم يصحبها تواضع صادق أمين، فالغرور حين يقود العمل، يحول كل تلك المزايا لوهم وسراب.
أجمل ما في هذا الكتاب، أنه يدعو قارئه لأن يكون شريكا في إعادة كتابته وملء الفراغات بين جُمَلِه وأفكارة، المتروكة تعمدا كمساحات للإحساس والتفكير الشخصي. كل فكرة أو جملة قصيرة في هذا الكتاب، تحفّز القارئ على ملء فراغاتها بما يراه مناسبًا، لتكون التراتيل والترانيم، حوارًا داخليًّا بين القارئ المتماهي والكلمات، وليكتشف كل متلقٍّ معنًى مختلفًا وفق تجربته الشخصية، وهذا أجمل ما في الكتاب.
وأنا ابارك للمكتبة الادبية الاردنية هذه الأضافة النوعية المُثْرِيَة، أبارك للصديق الكاتب الدكتور هاني عبيدات، هذه الخطوة المتقدمة على تلك التي سبقتها، ومتمنيا له المزيد من التوفيق. وأذكره بأننا باقون في انتظار المزيد من التجويد والاتقان والاكثر تميزا.
الاردن – 25/1/2025
