أهلاً بكم في فندق الأموات! أهلاً بكم في بلاد “جريمة الشرف”! [قراءة في رواية تبارك الياسين “ليلة البلَسمِك”]

الشعب نيوز:-

.
سمير اليوسف شاعر وكاتب فلسطيني /بريطانيا
هناك استشهادات كثيرة في هذه الرواية. استشهادات من أسماء معروفة ومجهولة. استشهادات واضحة الإحالة وأخرى غامضة. وأحياناً تحسُّ بأن السرد الذي يلي الإستشهاد لهو محاولة قصصية لتأويل معناه.

استشهادان أفاداني بشكل خاص في قراءة الرواية، الأول من ألفرد هتشكوك، مخرج أفلام إثارة الترقب المخيف، ومفاده أن الغرض إثارة خوف المشاهد حدّ التعذيب، وبواسطته أدركت بأننا أمام محاولة هيتشكوكية في الرواية. فعندها فقط يلتقي كافة الشخصيات التي حتى تلك اللحظة لا نعرف سرّ الرابط بينها جميعاً. الفندق الذي يجمع شخصيات الرواية يبدو، من حيث الظاهر على الأقل، وكأنه ينتمي إلى فيلم من أفلام هتشكوك أو قصة من قصص إدغار ألن بو حيث تتلاشى الحدود ما بين الواقع والخيال، ما بين أحلام النوم وكوابيس اليقظة وما بين الأحياء والأموات.

فنانة تشكيلية وكاتبة متمكنة في السرد القصصي تبارك الياسين، ونسوية ذكيّة أيضاً. وقراءة هذه الرواية أشبه برحلة في متاهة فانتازية ولكن القارئ الصبور، خاصةً إذا كان قارئاً لبيباً أيضاً (شأن كاتب هذه السطور)، سيدرك في النهاية بأنه قرأ رواية “نسويّة” ومن أرقى ما أنتج “الأدب النسوي” جماليّة. وهنا نأتي إلى الاستشهاد الثاني من الشاعرة الأميركية سيلفيا بلاث.

تتكلم بلاث عن تقمّصها لشخصية فتاة ماتت قبل مئة عام، وينتهي الاستشهاد بقولها: “وأنا لا أريد أن أموت”. انتحرت بلاث وهي في الثلاثين من العمر وهناك من اعتبر انتحارها قضية “نسوية” تتعلق بمصير المرأة عموماً والمرأة الشاعرة (الفنانة) خصوصاً. والجدل حول انتحارها ما انفك دائراً. وإنه لمن خلال هذا الاستشهاد نتبيّن بأن الفندق مكان رمزي، محطة إقامة مؤقتة في الرحلة ما بين عالمين مختلفين: الحياة والموت، الدنيا والآخرة.

تنتشر رائحة خلّ البلسمك منذ الصفحة الأولى للرواية. وهذا خلٌّ يُستخدم، من ضمن استخدامات عديدة، لتطهير الجروح. ورائحته تلازم ظهور شخصيّة إمرأة غامضة (نتعرف على هويتها في نهاية الرواية). لا أعلم إذا كان الأمر مقصوداً أو من قبيل المصادفة، أن استخدام هذا الخلّ المُطهّر وثيق الصلة بالجزء الثاني من رائعة دانتي “الكوميديا الإلهية” ويحمل عنوان “المُطهّر”، والمطهرّ هو الزمان والمكان، أو الواقع المجرد، ما بين الدنيا والآخرة حيث يمكث الأموات مكوثاً مؤقتاً ريثما يُصار إلى البت بمصيرهم النهائي، الفردوس أو الجحيم. وهو أيضاً، بحسب بعض القراءات القرآنية، البرزخ، على ما يرد في الآية التي تقول “مرجَ البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان”.

المرأة التي تلازمها رائحة البلسمك إمرأة ميتة، مقتولة، ضحية ما يُسمى بـ”جريمة الشرف”. وهي تسكن ذاكرة وخيال قاتلها، شقيقها الذي هو نفسه يُقيم في الفندق. هناك شخصيات كثيرة في “ليلة البلسمك” ربما أكثر مما ينبغي في رواية قصيرة كهذه. ولكن الشخصيتيّن الأهم هما الأخ (القاتل) والأخت (الضحية).

“أنا لا أريد أن اموت!” تصرخ الضحية مجازاً كما صرخت سيلفيا بلاث قبل انتحارها. ولكن هذه الرواية ليست فقط صرخة احتجاج ذكيّة ضد ما يُسمى بـ”جريمة الشرف” وإنما ضد تاريخ الجريمة التي تستهدف المرأة بكافة أشكال هذه الجريمة. في ما يبدو وكأنه إحالة إلى “زرقاء اليمامة”، يتبيّن بأن الأخت القتيلة هي عرّافة تتنبأ بالمستقبل. كلنا يعرف ما الذي جرى لزرقاء اليمامة وللمجتمع الجاهلي الذي حرمها من القدرة على قراءة المستقبل! ويتوجب علينا ألا نتوقع مصيراً أقل ظلاماً لمجتمع يقتل المرأة تمسكاً بقيمة أخلاقية جاهلية الأصل!
.

قد يعجبك ايضا