قبل أن نصطدم بالحيط…!!

2٬098
أسامة الرنتيسي –

حالة الإحباط العامة لا تَخفى على أحد، ولا تحتاج إلى إستطلاعات رأي، فقد انتقلت العدوى إلى أكثر الناس تفاؤلًا، فلا يعلم أحدٌ ماذا سيقع غدًا، فالأمور تسير على قاعدة “سارحة والرب راعيها…” وحتى هذه إلى متى؟!
لا تحتاج أوضاع المواطنين المعيشية الصعبة إلى شواهد، فالحال مكشوفة للجميع، والضغط المتوالي على لقمة العيش أصاب الفئات جميعها، المسحوقة أصلًا، وقد سحقت سَنَتا كورونا ما تبقى من الطبقة الوسطى، حتى طبقة الـكريما 5 % المنعمة، بدأت تتململ حالها حال المسحوقين، وباتت لديها شكاوى بأشكال مختلفة.
.. «والله لا أجد سوى الخبز والشاي أطعمهما لأولادي» صرخة تسمعها هذه الأيام كثيرا، وتسمع أيضا عن معاناة المستفيدين من صندوق المعونة الوطنية، وكيف لا تكفي الدنانير القليلة التي يتقاضونها لتوفير الاحتياجات الأساسية.
لقد مرت علينا قبل سنوات بروفة قاسية لقياس حجم الفقر والحاجة في الأردن، فكنا نرى الطوابير تصطف أمام فروع بنك الإسكان المعتمدة لاستلام مبالغ زهيدة كانت أقرتها الحكومة للمواطنين المحتاجين بدل دعم الوقود، وكم كانت لغة الأعين فاجعة التي كان مصورو الصحف يلتقطونها لرجال ونساء يحاولون أن يتخفوا خلف بعضهم حتى لا يُعرفوا أمام الكاميرات.
هذه البروفة المؤلمة، لم تقف عندها أية جهة معنية بالدراسات الاقتصادية والاجتماعية في الأردن، مع أنها ساحة حقيقية لمعرفة أوجاع الأردنيين، الذين تعبوا كثيرا من شد الأحزمة على البطون الخاوية، وقد تعبوا أكثر من سلسلة الارتفاعات في نسب التضخم التي طالت مرافق الحياة جميعها في الأردن، ومن الضرائب التي لا تنتهي، ومن شكاوى الحكومة التي لا تتوقف، عن صعوبة الأوضاع التي تمر بها المالية العامة للدولة.
ليس حديثَ مختصين، ولا قراءات معتمدة على دراسات، لكن كل ما يجري في الأردن، من إضرابات عمالية وقطاعية وحقوقية في عدد واسع من المؤسسات، وما يقع من عنف اجتماعي، وارتفاع نسب الطلاق، ومشاجرات أُسَريَّة تُشْهَر فيها الأسلحة النارية فورًا، والغضب والعنف في خطاب الأردنيين، سببه الأول والأخير الأوضاع المعيشية الصعبة التي يَحْيَوْنَها.
عندما يقف الإنسان عاجزًا عن تأمين حاجات أسرته من المأكل والملبس وأساسيات الحياة، فإن غضبا عنيفا سوف يُختزل في داخل ولي أمر طالب جامعي، عندما يعجز عن توفير قسطه ومصروفه، فإن «عفاريت الدنيا» تتفاعل في دماغه، وعندما لا تجد أسرة إلا الخبز والشاي (إن وُجِدا) لتقتات بهما، فلا يتوقع أحدٌ أن يكون هناك اطمئنان وشعور بالأمان لدى المواطن الأردني.
تنص الفقرة الثالثة من المادة السادسة من الدستور الأردني على: «تكفل الدولة العمل والتعليم ضمن حدود إمكاناتها، وتكفل الطمأنينة وتكافؤ الفرص للأردنيين جميعهم»، فهل تستطيع الحكومة أن تدَّعي أنها لا تخالف الدستور.
لا نريد أن نحاسب الحكومة على قضية العمل والتعليم، فنحن نعرف إمكانات الدولة جيدا، لكننا لن نتنازل عن قضية الطمأنينة، وأتحدّى أن يتجرَّأ مسؤول حكومي على نفي تسرب عدم الطمأنينة إلى عقول وقلوب الأردنيين، وأصبح الخوف من المستقبل وضبابية المرحلة يسيطران على مُخيَّلات الجميع.
في دوائر الحكومة وكواليسها، لا يوجد اي تفكير اقتصادي إلا احتساب نسب الضرائب وزيادتها على المواطنين الأردنيين، وهناك معلومات عن وجبة رفع للأسعار بسبب كارثة رفع أجور النقل في العالم، ما يعني ضربتين في الرأس، لا تؤلمان فقط، بل تحطمان أمان وطمأنينة المواطن اللتين نص عليهما الدستور، فهل في جعبة الحكومة مصيبة تقترفها مجددا ؟!.
بالمناسبة؛ حتى دعم الخبز فقد أكلته الحكومة على فقراء الوطن وأغمضت أعينها عن الحديث عنه…
الدايم الله…

قد يعجبك ايضا