التعليم في الأردن… حين يتحدث الشارع.. د. سمير الجمال

الشعب نيوز:-

على مدار الأيام الماضية، وبعد نشر رسالتي المفتوحة حول واقع التعليم في الأردن، والتي دعوت فيها إلى إعادة النظر في فلسفة التعليم، والانتقال من ثقافة الحفظ والتلقين إلى بناء التفكير والإبداع، وتمكين المعلم من أداء رسالته، وتطوير المناهج، وربط مخرجات التعليم بمهارات الحياة وسوق العمل، والحد من تغوّل المنصات التعليمية والدروس الخصوصية، وإعادة المدرسة إلى موقعها الطبيعي بوصفها الحاضنة الأولى للتعلم، قرأت مئات التعليقات، ولم أتعامل معها على أنها مجرد ردود على منشور في وسائل التواصل الاجتماعي، بل اعتبرتها استفتاءً وطنيًا صادقًا يعكس نبض الشارع الأردني بكل أطيافه.

كتب المعلم، وتحدثت الأم، وروى الأب معاناته، وأبدى الطالب رأيه، وشارك الأكاديمي والطبيب والمهندس والعسكري والمتقاعد، بل وحتى من هم خارج المنظومة التعليمية. اختلفت مواقعهم، لكنهم اجتمعوا على حقيقة واحدة مؤلمة: التعليم في الأردن لم يعد كما كان، ولم يعد يحقق ما ينتظره المواطن من بناء الإنسان وصناعة المستقبل.

لقد فوجئت بأن معظم التعليقات لم تتجه إلى تحميل المعلم وحده مسؤولية التراجع، كما يعتقد البعض، بل حمّلت السياسات التعليمية المسؤولية الكبرى. فالمواطن الأردني يرى أن الخلل يبدأ من فلسفة التعليم، ومن كثرة تغيير المناهج، وتبدل الأنظمة، والقرارات المتسارعة التي تُطبق على أجيال كاملة قبل أن تُختبر أو تُقيَّم علميًا.

وأكثر عبارة تكررت في التعليقات، حتى كادت تكون إجماعًا، هي:

“التعليم أصبح تجارة.”

لم يقلها شخص واحد، بل مئات الأشخاص.

ولي الأمر يرى أنه لم يعد يدفع رسوم مدرسة فقط، بل أصبح يدفع للمنصات، والبطاقات، والدوسيات، والدروس الخصوصية، حتى بات يشعر أن المدرسة وحدها لم تعد تكفي، وأن نجاح ابنه أصبح مرتبطًا بقدرته المادية أكثر من ارتباطه بجودة التعليم داخل الصف.

والمعلم المخلص يشتكي من مناهج مزدحمة، وضغط هائل لإنهائها، وأعباء إدارية، وتعليمات متغيرة، جعلته يفقد المساحة التي كان يستطيع من خلالها أن يبدع ويبتكر داخل الغرفة الصفية.

أما الطالب، فقد أصبح همه الأول: كيف أنجح؟ بدلاً من أن يكون سؤاله: كيف أتعلم؟

ومن خلال هذه التعليقات، برزت مجموعة من الرسائل التي لا يجوز أن تمر مرور الكرام.

أولها، أن المناهج أصبحت تعاني من تضخم واضح في المحتوى، حتى تحولت عند كثير من الطلبة إلى عبء للحفظ لا وسيلة للفهم. فالناس لا يرفضون العلم، لكنهم يرفضون أن يُرهق الطالب بمعلومات كثيرة لا تناسب عمره، ثم ينساها بعد الامتحان.

وثانيها، أن هناك مطالبة واسعة بإعادة التركيز على المهارات الأساسية، خاصة في اللغة الإنجليزية، بحيث يتخرج الطالب قادرًا على القراءة والكتابة والتعبير والمحادثة، لا أن يقضي سنوات طويلة في دراسة اللغة ثم يعجز عن كتابة فقرة بسيطة أو إجراء حوار قصير.

وثالثها، أن المدرسة يجب أن تستعيد دورها الحقيقي، فلا يبقى الطالب أسيرًا للمنصات والدروس الخصوصية. فالمدرسة التي لا تستطيع أن تحقق التعلم داخل جدرانها، تحتاج إلى مراجعة شاملة، لأن الأصل أن تكون الغرفة الصفية هي المكان الأول للتعليم.

كما طالب كثيرون بإعادة الاعتبار للتعليم المهني والتقني، وربطه بحاجات سوق العمل، وعدم النظر إليه باعتباره خيارًا أقل شأنًا من التعليم الأكاديمي، فالدول التي نهضت لم تنهض بالشهادات وحدها، وإنما بالمهارات والإنتاج.

ولفت انتباهي أن عددًا كبيرًا من التعليقات تحدث عن ضرورة إعادة الاعتبار للقيم، والأخلاق، والانتماء، والهوية الوطنية، باعتبارها جزءًا أصيلًا من رسالة المدرسة، إلى جانب المعرفة والمهارات.

أما الرسالة الأهم، فهي أن المواطن الأردني لم يعد يريد تغييرًا شكليًا في التعليم، بل يريد استقرارًا تربويًا، لأن الطالب ليس حقل تجارب، والمناهج ليست مشروعًا مؤقتًا، ومستقبل الأجيال لا يحتمل قرارات تتغير كل عام.

لقد كان من الجميل أن أجد بين التعليقات نقدًا، لكنه كان مصحوبًا بحلول. فقد طالب الناس بمراجعة المناهج، وإعادة النظر في نظام الثانوية العامة، وتخفيف الزخم، وتحسين اختيار المعلمين وتأهيلهم، وتمكينهم، وإعادة هيبة المدرسة، وإنشاء منصة تعليمية وطنية مجانية، والاستفادة من خبرات أهل الميدان قبل إصدار أي قرار.

وهذا يدل على أن المجتمع لا يكتفي بالشكوى، بل يمتلك أفكارًا ورؤى تستحق أن تُسمع.

رسالتنا إلى وزارة التربية والتعليم

إن هذه المقالة ليست هجومًا على أحد، ولا دفاعًا عن أحد، وإنما هي نقلٌ أمين لما قاله الأردنيون، بكل محبة وحرص على وطنهم.

لذلك، فإننا نطالب وزارة التربية والتعليم بأن تجعل نبض الشارع الأردني جزءًا من صناعة القرار التربوي، وأن تستمع بجدية إلى المعلمين، وأولياء الأمور، والطلبة، ومديري المدارس، والمشرفين، والجامعات، وكل أصحاب الخبرة الذين يعيشون الواقع يومًا بيوم.

ونطالب بعقد مؤتمر وطني شامل للتعليم، يشارك فيه أهل الميدان الحقيقيون، لا ليكون مؤتمرًا إعلاميًا، بل ورشة عمل وطنية تُراجع فلسفة التعليم، والمناهج، والامتحانات، ونظام الثانوية العامة، والتعليم المهني، وإعداد المعلمين، والمنصات التعليمية، وكل ما يتعلق بمستقبل أبنائنا.

فإصلاح التعليم لا يبدأ من المكتب، بل يبدأ من الصف، ومن المعلم، ومن الطالب، ومن الأسرة، ومن الاستماع لكل صوت صادق يحمل همَّ الوطن.

إن الاستماع إلى الناس ليس ضعفًا، بل هو أعلى درجات الحكمة، لأن المواطن ليس خصمًا للوزارة، بل شريكٌ في بناء التعليم.

وأخيرًا…

إذا كان هناك استثمار يستحق أن نجتمع عليه جميعًا، فهو الاستثمار في الإنسان.

فالطالب الذي نجحنا في تعليمه اليوم، هو الطبيب، والمهندس، والمعلم، والقاضي، والجندي، والمزارع، ورائد الأعمال، وصانع القرار غدًا.

والأوطان لا تُبنى بالحجارة والإسمنت وحدهما، بل تُبنى بالعقول، والقيم، والوعي، والإنسان.

أسأل الله أن يحفظ الأردن، وأن يوفق كل مخلص يعمل من أجل بناء منظومة تعليمية تليق بأبنائنا، وتعيد للتعليم رسالته، وللمعلم مكانته، وللطالب شغفه، وللوطن مستقبله.

 

قد يعجبك ايضا