
الطفل والعقرب.. سعيد ذياب سليم
الشعب نيوز:-
هل فكرت يومًا، وأنتَ تنظر إلى سمكة زينة حمراء تسبح في وعائها الكروي، أن حياتك ربما تكون هي الأخرى داخل وعاء زجاجي أكبر؟
كنت في السابعة من عمري، أعيش في قرية صحراوية شمال الجزيرة العربية. كانت الرمال تحيا، تتنفس، وتتحرك. وما إن تعصف بها الريح حتى يصطبغ وجه السماء بالحمرة، وتغيب عينها خلف سحب الغبار.
في مواسم الجفاف، كانت مياه الآبار تشح، فنخرج لجلب الماء من سبيل قريب. وفي أحد تلك الأيام، خرجت مع رفاق يكبرونني سنًا، وهناك التقيت بها لأول مرة.
كانت ممددة على رمال الصحراء الملتهبة وقت الظهيرة. قال الرفاق إنها عقرب. بدت لي جثة هامدة لا أثر للحياة فيها، لكن أحدهم نثر عليها قليلًا من الماء، فإذا بها تبدأ بالحركة. ارتد الرفاق عنها بحذر، أما أنا فكان ذلك أول درس في الخوف منها… وربما لذلك ما زلت أخاف العقارب حتى اليوم.
بعد ذلك، لم تعد رؤيتها حدثًا نادرًا، لكنها لم تكف يومًا عن إثارة الفزع في نفسي. كنت أفتح كتابًا أحيانًا، فتنسل منه عقرب وتختفي في زاوية أخرى. وكثيرًا ما كان كلب البيت ينبح ويعوي متألمًا وهو يطارد إحداها، يضربها بكفه حتى ينتبه له أبي فيقتلها. وكم مرة سحبْنا دلو الماءِ من البئر، فإذا فيه بقايا عقارب نافقة.
لكن أكثر ذكرياتي إيلامًا كانت مع أمي، رحمها الله. ففي إحدى ليالي الصيف الحارة، كانت تسهر تخيط الأقمشة وتعدها لليوم التالي، ليستخدمها أبي في تنجيد الأثاث. شَعَرتْ بحكة في ظهرها وهي تستند إلى الحائط، فأخذت تحرك ظهرها عليه كلما عاودها الإحساس بها.
وحين أنهكها العمل، قرَّرَتْ أن تنام. وما إن خلعت ثوبها حتى سقط منه شيء صغير على الأرض. اقتربت منه، فإذا هو عقرب قد هُرست. كانت قد سحقتها بحركاتها المتكررة طوال الليل، من غير أن تشعر بوجودها.
ومنذ ذلك اليوم، لم تعد العقارب تسكن الصحراء وحدها… بل سكَنَتْ ذاكرتي أيضًا.
بعد أن أقمنا في تلك القرية بضع سنوات، عادت الأسرة لتستقر في مدينة عمّان.
كبر الطفل، وطالت قامته. ومع اتساع معرفته، اتسعت السماء أيضًا. فالنجوم التي بدت له يومًا ثقوبًا في خيمة الليل السوداء يتسلل منها الضوء، صارت عوالم هائلة، لكل منها اسم وحكاية.
ومن بينها كانت كوكبة العقرب، التي تتألق في سماء الصيف الجنوبية. رأى فيها رأسها وجسدها المتخيل، ثم ذيلها الطويل المنحني الذي ينتهي بإبرة مرفوعة، وفي قلبها يتوهج نجم أحمر لامع يسمى قلب العقرب.
يا للسخرية… أكانت العقرب تراقبني من السماء طوال تلك السنين؟
ومضت بي سنوات العمر، حتى حملتني رياح الغربة، وألقت بي في قرية ساحلية تقع على خليج عُمان، حيث يلتقي الخليج ببحر العرب.
كانت السيفة قرية ساحلية هادئة، بيوتُها قليلة، وشاطئها يمتد برمال بيضاء. ولم يكن الوصول إليها ممكنًا إلا بسيارات الدفع الرباعي التي تشق الطريق الترابي بين الجبال، أو عن طريق البحر.
وعلى شاطئ البحر، كنت أرى الدلافين أحيانًا تلعب بعيدًا في الماء، وأتأمل ما يلقي به البحر من كائنات، كما أراقب النوارس وأنواعًا عديدة من الطيور وهي تَنقَضُّ من الجو، فتغوص ثم تخرج بسمكة تتلوى في الهواء، تؤدي رقصة موتها الأخيرة.
هناك، كانت رمال الشاطئ تعانق سفوح الجبال، وتزحف الأفاعي بين الصخور، ومع حلول الليل تظهر الحشرات الطائرة، وتخرج من مخابئها كائنات صغيرة مخيفة، كان أبرزها صديقتي القديمة… العقرب.
كان ذلك قبل أكثر من خمسة وعشرين عامًا، عندما كنت أعيش في تلك القرية الساحلية، راودني فضول قديم: إلى أي حد تستطيع العقارب أن تتحمل الحرمان؟
كنت قد سمعت أن العقرب تستطيع أن تعيش أربعين يومًا بلا ماء، فقررت أن أضع الأمر تحت الملاحظة. أمسكت عقربًا سوداء مائلة إلى البني، متوسطة الحجم، ووضعتها في وعاء زجاجي. لم أُقَدِّم لها طعامًا ولا ماءً، وكان الوعاء مغلقًا، لكنني كنت أفتحه بين حين وآخر لأطمئن عليها.
مرت الأيام، وفي الليل كانت كوكبة العقرب تراقب صمتي من السماء، وفي النهار كنت أرقب أسيرتي في وعائها.
كانت العقرب لا تزال هناك.
لم تكن تتحرك كثيرًا، وكأنها دخلت عالمًا خاصًا بها، عالمًا من الصمت والانتظار. لكن كلما فتحت الوعاء وحركته قليلًا، كانت ترفع ذيلها فوق ظهرها، جاهزة للدفاع، كأنها تقول إن السكون ليس موتًا.
انقضت أربعون يومًا.
في ذلك اليوم قررت أن أختبر شيئًا آخر. أحضرت يرقة خضراء مكسوّة بشعيرات دقيقة، كانت تتحرك على الأرض بسرعة متوسطة، وأدخلتها إلى الوعاء.
لم تمهلها العقرب لحظة.
في طرفة عين اندفعت نحوها، أمسكتها بكلابتيها، ثم انحنى ذيلها وغرست إبرتها في جسد اليرقة. بقيت ممسكة بها، ثم بدأت تمتصها، وكأنها استيقظت فجأة من سبات طويل.
سررت لأنها وجدت أخيرًا ما تأكله، ثم تركت الوعاء حتى اليوم التالي.
عندما عدت، وجدت مشهدًا لم أتوقعه.
كانت العقرب واليرقة جثتين هامدتين، منفصلتين داخل الوعاء. شعرت بالحزن. لم أكن أتوقع ذلك، لكن شيئًا يشبه الصداقة كان قد نشأ بيننا.
بقي السؤال يطاردني منذ ذلك اليوم:
هل انهارت العقرب بعد أربعين يومًا من الصبر، فكان ذلك الهجوم الأخير هو آخر ما بقي لديها من طاقة؟
أم أن اليرقة المشعّرة كانت تحمل شيئًا لم أعرفه، فكان الصيد سبب نهايتها؟
أم أن العقرب، التي بدت لي قوية ومتيقظة، كانت تخفي خلف ذيلها المرفوع جسدًا أنهكه الانتظار؟
كلما تذكرت أول عقرب في طفولتي، تلك التي بعثتها قطرات الماء من سكونها، عدت إلى عقرب تجربتي، وسألت نفسي: هل كنت متأكدًا، يوم ألقيتها في العراء، أنها كانت ميتة فعلًا؟
أم أنني لم أكن سوى كائن داخل وعاء زجاجي أكبر، يخضع لتجربة لا يدرك حدودها؟