
جدار الزجاج العازل… كيف تحولت “البيروقراطية الرقمية” إلى مقبرة للاستثمار وعذاب للمحامين؟معتصم صلاح
الشعب نيوز:-
كنا نظن أن العبور نحو “الأتمتة” في وزارة الصناعة والتجارة سيكون بوابة للمستقبل وجاذباً للاستثمارات، فإذا به يتحول إلى جدار عازل يقطع شريان الاقتصاد الوطني.
في الأمس القريب، عندما كان العمل يدوياً ومباشراً، كنا كمحامين ننجز باقة متنوعة من المعاملات في يوم واحد؛ نؤسس شركة تضامن، ونغير صفة أخرى، بل كان تعديل حصص الشركاء بانسحاب شريك وانضمام آخر متضامن ينتهي بدقة وبساطة خلال أقل من ساعة.
كانت دائرة مراقبة الشركات تمتاز بجودة استثنائية في تقديم الخدمة، وتعتمد سياسة صارمة مفادها أن المعاملة لا يجوز أن تستغرق أكثر من ساعة واحدة! وبعكس ذلك، كان يتم إعلام قسم الجودة المربوط مباشرة بمكتب الوزير في حينها، ليقوم القسم بالتواصل فوراً مع مقدم الطلب للاطمئنان على معاملته وحل مشكلته. وحين تنتهي المعاملة، كانت تصلك رسالة نصية تستفتي تقييمك كمتلقٍ للخدمة، في ظل روح مفعمة بالتعاون والإيثار من موظفين كانوا يتسابقون لتقديم النصائح القانونية والإجرائية للمراجعين بكل ود واحترام. فكان الموظف يدرك أن خلف الأوراق مصالح ناس وحركة أسواق.
أما اليوم، وفي عصر الـ “عن بُعد” والبيروقراطية الإلكترونية الباردة، تحول التحول الرقمي إلى أداة للترهل والتأخير. سبعة أيام تمر على معاملة تعديل شركاء دون جدوى! هذا البطء القاتل ليس مجرد تأخير إجرائي، بل هو طعنة في خاصرة الاستثمار. رأس المال جبان، والتاجر يبحث عن بيئة مرنة؛ وحين يرى المستثمر العربي أو الأجنبي أن تعديلاً بسيطاً يستغرق أسبوعاً في فضاء سيبراني مجهول، سيهرب فوراً بأمواله إلى أسواق تحترم الوقت، مما يساهم بشكل مباشر في “تطفيش الاستثمار” وإلحاق ضرر فادح بالاقتصاد الوطني الذي هو بغنى عنه.
تكتمل الصدمة حين يقرر المحامي أو المراجع كسر العزلة الرقمية والتوجه إلى الوزارة بحثاً عن حل، ليصطدم في قسم التعديلات بـ “جدار زجاجي فاصل”. حاجز أصم يحجب الموظف عن المواطن، وكأن المراجع أصبح عبئاً أو تهديداً يُخشى منه. هذا الفصل العازل يقتل الشفافية ويحرم المراجع من اللقاء الحي والمباشر لشرح تعقيدات الملفات القانونية، مما يطيل أمد المعاملات بلا مبرر.والأنكى من ذلك، غياب المرونة الإنسانية؛ فحين تنجح في انتزاع فرصة للاستفسار من خلف ذلك الزجاج، تواجه أحياناً بفوقية وتعالٍ غريبين، وكأن السؤال عن مصير الاستثمار أصبح منةً وتجاوزاً لبروتوكول تكنولوجي مقدس! أين هذا من أيام العمل اليدوي التي كانت تفيض بالاحترام المتبادل والشراكة الحقيقية؟
إن التكنولوجيا جُعلت لخدمة الإنسان وتسريع العجلة الاقتصادية، لا للاختباء خلف الشاشات وتبرير العجز.
نداء إلى أصحاب القرار أنقذوا الاستثمار من مقبرة “الرقمنة المشوهة”، وحطموا الحواجز الزجاجية والنفسية، لتعود مراقبة الشركات محركاً للتنمية لا عائقاً أمامها.