“فارمسي ون”.. تعثرٌ يتهدد حقوق العاملين

88

مراد كتكت

في الوقت الذي تشهد فيه سلسلة صيدليات “فارمسي ون” تعثراً مالياً بدأت تتشكل ملامحه منذ حزيران من العام 2020 المنصرم، وإغلاق العديد من فروعها بعد تراكم إيجاراتها غير المدفوعة، تدهورت أوضاع المئات من العاملين والعاملات في هذه السلسلة أغلبهم من الصيادلة، نتيجة هذا التعثر، إذ أن التأخر في دفع الأجور بات هاجساً يؤرقهم ودفع بعضهم الى تقديم استقالاتهم.

 

حقوق ضائعة

الصيدلانية روان (اسم مستعار) واحدة من بين مئات الموظفين في السلسلة الذين تعثروا نتيجة هذا الأزمة وقدموا استقالاتهم، تقول إن القصة بدأت في أيار من العام 2020، حيث أصبح هناك تأخراً في صرف الرواتب وصولاً الى عدم صرفها للعديد من العاملين في السلسلة في شهر آب والذي بدأ فيه التعثر الحقيقي وإغلاق العديد من صيدليات الشركة.

 

وتضيف روان خلال حديثها لـ “المرصد العمالي الأردني” أنها حتى الآن لم تتسلم رواتب أربعة أشهر، هي تشرين الثاني وكانون الأول وكانون الثاني وشباط الماضيات، ما دفعها الى ترك عملها في نهاية المطاف، رغم أنها كانت مصممة على البقاء في ذلك الوقت على أمل تحسن أوضاع الشركة.

 

إلا أن استمرار هذا التعثر جعل فروع السلسلة شبه خاوية بعد عزوف مستودعات الأدوية من التوريد اليها، لأن الشركة تدين لهذه المستودعات بمبالغ مالية كبيرة “وصلت الى ملايين الدنانير” بحسب تقديرات روان، التي أشارت الى أن الشركة قامت بوقف صرف الوصفات الطبية للأمراض المزمنة وحتى العادية للزبائن.

 

وتبين أن جميع الموظفين في الشركة تم توقيف تأمينهم الصحي دون سابق إنذار وبدون علمهم، موضحة “في شهر تشرين الأول الماضي ذهبت الى المستشفى لأتلقى علاجاً معيناً لي، إلا أنني تفاجأت بأن تأميني الصحي تم توقيفه”.

 

وتشير روان الى أنها تقدمت هي وعدد من زملائها في فروعٍ أخرى بشكاوى عديدة لوزارة العمل على أمل صرف جميع رواتبهم التي لم يتسلموها، دون جدوى، ناهيك عن أن النقابة لم تبادر حتى بمساعدتهم في تحصيل رواتبهم.

 

حال روان (اسم مستعار) كحال المئات من الصيادلة والعاملين في سلسلة “فارمسي ون”، الذين لقوا ذات المصير، دون أي حلول تذكر ولا حتى مساعداتٍ من النقابة، بالرغم من أن النقابة يتحتم عليها حماية العاملين المسجلين لديها وحماية حقوقهم.

 

مالك (اسم مستعار) يعمل أيضاً صيدلانياً في أحد فروع الشركة، يقول إن المشكلة لم تكن فقط عدم صرف الرواتب أو تأخرها، بل هناك فروع أصبح يحصل فيها انقطاع في الكهرباء لتراكم الفواتير على مدى أشهر، فضلاً عن إغلاق العديد من الأفرع لتراكم الإيجارات أيضاً.

 

ويوضح مالك لـ “المرصد العمالي” أن انقطاع الكهرباء عن الفرع الذي كان يعمل به، إضافة الى عدم صرف راتبه منذ شهر حزيران من العام الماضي، دفعه لترك عمله في كانون الأول الماضي.

 

وبحسب تقديرات مالك، فإن عدد الفروع التي أغلقتها الشركة بشكل رسمي يصل الى 25 فرعاً تقريباً، وموظفو هذه الفروع منهم من لزم منزله بلا راتب لحين تعافي الشركة من أزمتها، والباقي تم نقلهم الى فروع أخرى، هذا غير الفروع التي أُغلقت بسبب عدم تسديد إيجاراتها، مشيراً الى أن الشركة لم تنه عقود أي من موظفيها حتى الآن.

 

أزمة مالية دون حلول في الأفق

ووفق مصدر طبي طلب عدم نشر أسمه نظراً لمسؤوليته المهنية، فإنه من الصعب تحديد سبب الأزمة المالية للشركة أو اذا كانت هناك حلولاً لها، إلا أن هذه الأزمة رافقها ضياع حقوق العديد من العاملين والعاملات في الشركة.

 

وتوقع المصدر في حديثه الى “المرصد العمالي” أن جائحة كورونا من الممكن أن تكون أحد أسباب هذا التعثر، نظراً لأن معظم القطاعات الاقتصادية في المملكة تضررت بسبب الجائحة ومنها ما وصل إلى حد الإفلاس وبالتالي ضياع حقوق العاملين في هذه القطاعات، خصوصاً وأن اجراءات الحكومة السابقة أو الحالية في التعامل مع الجائحة وحماية حقوق العاملين لم تنجح.

 

ويشير الى أن التوسع الكبير للشركة، الذي وصفه المصدر بـ “غير المدروس” يمكن أيضاً أن يكون من مسببات الأزمة، إلا أنه من الصعب حالياً الجزم بذلك، وأن هذه مجرد افتراضات فقط.

 

دور النقابات

وبالنسبة لحقوق موظفي الشركة، يقول رئيس النقابة العامة للعاملين في الخدمات الصحية محمد غانم إن النقابة كانت قد تواصلت مع موظفي الشركة، وطلبت منهم تزويدها بلائحة تتضمن مطالبهم، دون أي تجاوب أو تعاون من قبلهم، واكتفائهم بتوجههم الى القضاء.

 

ويوضح غانم لـ “المرصد العمالي” أن موظفي الشركة “رغم أنهم غير منتسبين للنقابة ولم يبادروا إلى التعاون معنا، إلا أننا لن kتخلى عن مطالبهم وسنستمر بمتابعة القضية لإسترداد حقوقهم”.

 

أما رئيس نقابة الصيادلة الدكتور زيد الكيلاني، فقال إن النقابة على تواصلٍ دائم مع إدارة شركة “فارمسي ون” ومع موظفيها من الصيادلة، للإسراع في إعطاء جميع الموظفين حقوقهم، وصرف جميع رواتبهم التي لم يتسلموها.

 

ويوضح الكيلاني لـ “المرصد العمالي” أن أي إجراء ستتخذه الشركة حيال بيع اي من ممتلكاتها أو فروعها سيكون بعلم النقابة وموافقتها، لتفادي أي ضرر ممكن أن يمس الموظفين والحفاظ على حقوقهم.

 

ويرى مدير مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية أحمد عوض أن دور نقابة الصيادلة في هذه القضية، وبخاصة حيال حقوق الصيادلة الذين هم أعضاء لديها، “كان سلبياً”.

 

ويلفت عوض إلى “المرصد العمالي” الى أنه “كان على نقابة الصيادلة أن تلعب دوراً في الدفاع عن حقوق أعضائها من الغبن والانتهاكات التي تعرضوا إليها، حتى وإن كان أصحاب الصيدليات هم من يقومون بهذه الممارسات”.

 

ويبين أن المطلوب حالياً “إعادة النظر بأدوار النقابات المهنية كونها تقوم بتنظيم المهن ولا تنخرط بجهود الدفاع عن الحقوق العادلة لأعضائها العاملين بأجر بشكل فعال”.

 

ويشير عوض إلى أن النقابات المهنية تتدخل فقط للدفاع عن حقوق أعضائها عندما تكون السلطة التنفيذية هي الخصم، بينما عندما يكون الطرف الذي يمارس الانتهاك على أعضاء النقابة من القطاع الخاص، تتخذ هذه النقابات خطوة إلى الوراء ولا تتدخل في الدفاع عن حقوق أعضائها.

 

ويبين قانون الشركات الأردني لسنة 1997، في المادة (256)  أنه عندما يتم حسم نفقات التصفية لأي شركة وتسديد ديونها، فإنه “يتوجب على الشركة بالأول تسديد المبالغ المستحقة للعاملين في الشركة”.

 

وجهة نظر “فارمسي ون”

الشركة بدورها طرحت وجهة نظرها حيال حقوق موظفيها في اتصالٍ مع إدارتها، وقالت إن الشركة كانت وما زالت حافظة لحقوق موظفيها الذين هم من بنوا هذه الشركة وطوروها، إلا أن الأزمة المالية التي تعرضت لها حالت دون إعطاء الموظفين حقوقهم.

 

وأشارت الإدارة، في تصريح إلى “المرصد العمالي”، الى أن العديد من القطاعات تعثرت جراء تداعيات جائحة كورونا وليست هي فقط، خصوصا وأن مستودعات الشركة توقفت عن التوريد لفروعها خلال أيام الحظر وبخاصة بين شهري آذار وأيار من العام الماضي.

 

وأكدت الإدارة أن الشركة ستتخذ اجراءات حيال رواتب موظفيها، إذ ستباشر بصرف رواتبهم خلال الأسبوع الحالي وبشكل تدريجي، موضحة أنها ستحفظ جميع حقوق الموظفين دون أي ضياعٍ منها، وأن الشركة ستتعافى قريباً من هذه الأزمة.

 

ويصل عدد الموظفين في الشركة الى 600 موظف أغلبهم صيادلة، في حين يوجد 103 صيدليات بشكل رسمي في مختلف أنحاء المملكة.

 

اعتصامات مستمرة لحين تحقيق المطالبات

وعلى صعيد الحقوق التي ما تزال معلّقة، نفذ عشرات العاملين والعاملات في مجموعة صيدليات “فارمسي ون”، صباح اليوم الأحد، اعتصاماً أمام مبنى الإدارة العامة للشركة، احتجاجاً على عدم دفع أجورهم منذ أكثر من ثمانية أشهر.

 

وجمع الاعتصام عاملين وعاملات بمختلف مسمياتهم الوظيفية بين صيادلة وسائقين وأمناء مستودعات، وأكدوا أنّ الشركة شهدت مبيعات خيالية خلال جائحة كورونا، دون رفع أجورهم أو وجود أي مصاريف غير اعتيادية توجب على الشركة دفعها، ما يعني أنّ الإدارة قادرة على الدفع.

 

وقال محمد هشام الطويل، أحد منسقي الاعتصام الذي يعمل في الشركة منذ 13 عاماً، لـ”المرصد العمالي” إنّ الإدارة لم تستجب لأي مطالب سابقة، واعتمدت سياسة الاحتواء وإسكات الموظفين بإصدار وعودة كاذبة لصرف الأجور قبل شهر رمضان، ورغم ذلك لم يصرف ديناراً واحداً بدل أجر للعاملين.

 

وبين الطويل أنّ الإجراءات التصعيدية القادمة ستكون بالتوجه للقضاء في ظل الغياب الفعلي لنقابة العاملين في الخدمات الصحية ونقابة الصيادلة، داعياً وزارة العمل إلى الاستجابة السريعة للشكاوى العمالية المتعددة التي قدموها.

 

وقال الصيدلاني علي عودة لـ”المرصد العمالي” إنّ الصيادلة العاملين في فروع المجموعة التي ما زالت مفتوحة، يتقاضون في الفرع الواحد أجراً يومياً لا يتجاوز 10 دنانير للمجتمعين في المكان الواحد، أيّ أنّ الاثنان أو الثلاثة يتقاسمون 10 دنانير فقط لقاء عمل 8 ساعات متواصلة بالصيدليات.

 

وأوضح أنّ عدد الصيدليات المفتوحة في الوقت الحاليّ لا تٌجاوز الـ40 فرعاً بعد إغلاق عشرات الصيدليات بحجة الخسائر الاقتصادية رغم أن العمل خلال الجائحة كان أضعاف ما قبلها من السنوات.

 

أمّا الصيدلانية ياسمين الحلو، أكدت أنّ الإدارة عاقبت عشرات العاملين من الصيادلة بالنقل التعسفي من محافظة إلى أخرى عندما طالبوا بصرف رواتبهم خلال شهر تشرين الثاني، حيث نُقل أحدهم من الزرقاء إلى الجبيهة وآخر إلى مأدبا.

 

وأدى ذلك الإجراء إلى استقالة العشرات من الصيادلة، لعدم جدوى عملهم لقاء الكلفة الباهظة للمواصلات التي يدفعونها بين محافظة وأخرى خاصة وأن أجورهم لم تصرف منذ نهاية أيلول الماضي، بحسب ياسمين.

 

ووفق حديث عدد منهم، فقد كانت تتراوح أجور الصيادلة بين 600 و1000 دينار وكذلك رواتب بعض موزعي الأدوية والمشرفين على المستودعات.

 

الناطق باسم وزارة العمل محمد الزيود بدوره قال إن الوزارة تلقت من موظفي شركة “فارمسي ون” ما يقارب الـ 373 شكوى عمالية منذ بداية الأزمة المالية للشركة وتم التعامل معها وفقاً للقانون.

 

وبين الزيود لـ “المرصد العمالي” أنه تم مخالفة الشركة نحو 229 مخالفة، نظراً لعدم تجاوبها تجاه حقوق موظفيها، مشيراً الى أن وزير العمل يوسف الشمالي كان قد اجتمع مع موظفي الشركة في مقر الوزارة بحضور المدراء المعنيين، وتم توجيه مديرية علاقات العمل ومديرية التفتيش بمتابعة ملف القضية للوصول على حقوق الموظفين.

 

وأشار الى أن الوزارة قامت بإرشاد الموظفين من خلال وسائل الإعلام بالتوجه الى القضاء في حال لم يكن هناك أي تجاوب من قبل إدارة الشركة.

 

 

قد يعجبك ايضا