دولة الرئيس: عندما تنعدم الثقة بين الحكومة والشعب، فالمشكلة ليست بالناس بقلم: د. خلدون نصير

الشعب نيوز:-

لم تعد أزمة الثقة بين المواطن والحكومات في الأردن مسألة شعور أو انطباع عابر، بل أصبحت نتيجة تراكمات واقعية، وأسئلة مشروعة، وتجارب عاشها المواطنون، واستمعوا إليها، وقرأوا تفاصيلها في تقارير رسمية، على رأسها تقارير ديوان المحاسبة السنوية، التي تتكرر عامًا بعد عام، بينما تتبدل الوجوه وتبقى الأسئلة معلّقة بلا إجابات حاسمة.
خلال الفترة الماضية، سمعنا عن تجاوزات هنا، وممارسات إدارية هناك، وشكاوى مواطنين تتصاعد حول قضايا تمس حياتهم اليومية مباشرة: مخالفات السير، ضعف البنية التحتية، تراجع الخدمات، غلاء المعيشة، التضخم، البطالة، ورفض تحسين أوضاع الموظفين، رغم أن كلفة ذلك – وفق منطق الحسابات البسيطة – لا تشكّل عبئًا حقيقيًا إذا ما قورنت بحجم الهدر والامتيازات في مواقع أخرى.
المفارقة المؤلمة أن كل ذلك يتناقض مع خطاب رسمي يتحدث باستمرار عن الجاهزية، والإصلاح، وتحسن الأداء، بينما الواقع الميداني، من طرق متهالكة، وبنية تحتية مرهَقة، وجهاز إداري مثقل بالبيروقراطية، يروي قصة مختلفة تمامًا، ويهدم الثقة بدل أن يبنيها.
ثم جاءت قضايا التعيينات، وما أُثير حول توظيف أبناء مسؤولين ومتنفذين في مواقع حساسة، في وقت تعترف فيه الحكومات نفسها بارتفاع معدلات البطالة، لتضيف طبقة جديدة من الشك المشروع: كيف يُقنع المواطن بخطاب تكافؤ الفرص، بينما يرى وقائع توحي – على أقل تقدير – بازدواجية المعايير؟
رئيس الحكومة، رغم ما يحظى به من احترام شخصي وأدب سياسي ومحبة لدى شريحة واسعة من الناس، بات في نظر كثيرين عاجزًا عن فرض الانسجام داخل فريقه الوزاري. يَعِدُ بشيء، ويعمل الفريق باتجاه آخر. يتحدث عن الشراكة مع القطاع الخاص، بينما الممارسات اليومية تعكس برودًا، أو تجاهلًا، أو تعقيدًا إداريًا يقتل أي مبادرة جادة.
وهذا التوصيف ليس تنظيرًا عامًا فقط، بل تجربة واقعية حصلت معي شخصيًا، وتكررت مرتين خلال فترة تولي الحكومة الحالية. فمن خلال عملي في قطاع المؤتمرات منذ أكثر من خمسةٍ وعشرين عامًا، خاطبت رئاسة الوزراء رسميًا لطلب رعاية أو انتداب أحد أعضاء الحكومة لمؤتمرات متخصصة نعمل عليها منذ ربع قرن. سُجلت الكتب الرسمية، وتابعتها عبر خدمة الجمهور ومكتب الأمين العام، وتنقلت بين الوزارات والمكاتب، ثم انتهى المؤتمر دون أي رد. وهي سابقة لم أعهدها طوال مسيرتي المهنية، وتؤشر بوضوح إلى حجم عدم الاكتراث بالكتب الرسمية، وبالشراكة مع قطاع يُفترض أنه شريك في التنمية لا عبء عليها.
في ظل كل ذلك، يخرج الخطاب الحكومي ليحدث الناس عن إنجازات ومشاريع ووعود مستقبلية، بينما القضايا الثلاث الأكثر إلحاحًا لدى المواطن – الفقر، البطالة، المديونية – ما تزال بلا حلول ملموسة يشعر بها الناس في حياتهم اليومية.
فكيف يُطلب من المواطن أن يثق؟ وكيف تُبنى الثقة في ظل فجوة واسعة بين القول والفعل؟ وكيف يُقنع الناس بأن الأوطان تُدار بالخطط لا بالتبريرات؟
الأوطان لا تُبنى بقهر مواطنيها، ولا بتجاهل أصواتهم، ولا بإدارة الظهر لهم، بل تُبنى بالشراكة، وبالعدالة، وبالإحساس الحقيقي بالمسؤولية، وباحترام المواطن كركيزة أساسية في الدولة لا كعبء عليها.
وفي الأردن، يدرك الجميع أن القاسم المشترك، والعهد المتين، والثقة الكبرى لدى الأردنيين، هو الوطن والقيادة الهاشمية، وعلى رأسها جلالة الملك عبدالله الثاني، الذي ما زال يُنظر إليه كسند وحامٍ وحزام ظهر، وهو ما يفسر لماذا تتآكل الثقة بالحكومات لا بالدولة.
هذه ليست دعوة للتشكيك، ولا هجومًا على الدولة، بل صرخة مسؤولية. فالدولة القوية لا تخشى النقد، والحكومة الواثقة لا تتهرب من الأسئلة، والثقة إذا انكسرت لا تُرمم بالخطابات.
آن الأوان لأن تُؤخذ هذه الأصوات بجدية، لا كضجيج عابر، بل كمؤشر خطر حقيقي. فالوطن الذي نريده جميعًا لا يُدار إلا بمواطن شريك… لا مقهور.

قد يعجبك ايضا