
عبدالله بني عيسى يكتب .. الضجيج يربح… والحقيقة تخسر
الشعب نيوز:-
أكثر ما دمّر الإعلام والصحافة كرسالة ووظيفة مجتمعية، وحتى كصناعة على نمط الصحافة الغربية، هو أن “البزنس” صار هدفاً وحيداً وقائماً بذاته، متجاوزاً المعايير المهنية والأخلاقية والمجتمعية.
قد يبدو هذا التعميم قاسياً، لكنه للأسف يحمل قدراً كبيراً من الحقيقة.
في الأردن، يقيم الإعلام بكل تفرعاته في نفق مظلم وطويل. لا الإعلام الرسمي والتقليدي حافظ على توازنه ومهنيته، ولا الإعلام الخاص أو الجديد استطاع أن يؤمّن عوائد تحفظ استقلاله. والجميع تقريبًا انجرفوا نحو هوس الترافيك، والسباق مع “المشاهير”، وعدّاد اللايكات والشيرز والمشاهدات، في وقت تتسرّب فيه الإعلانات إلى المنصات العالمية، وتتآكل الموارد المحلية، ويصبح البقاء مرهوناً بالإثارة لا بالمصداقية.
في المقابل، دخلت على المشهد أنماط جديدة: “الإعلام المجتمعي”، “صحافة المواطن”، “اضرب واهرب”، و”اللاصحافة”… فضاء مفتوح يعبث بالمشهد دون أفق واضح. في حين يدور الرد الرسمي غالباً حول مزيد من القوانين واللوائح والمنع، رغم أن التجربة أثبتت مراراً أن التشريع وحده لا يضبط فضاءً رقمياً منفلتاً.
خلال السنوات الماضية، أدى الغياب الفاضح للمهنية والدقة إلى فوضى معلوماتية حقيقية: شائعات تتحول إلى أخبار، انطباعات إلى حقائق، أوهام إلى مسلمات، تضليل متعمد، تشويه وقلب للحقائق لأهداف إما سياسية أو إعلانية وابتزاز رخيص… والجميع ضد الجميع. في الأيام القليلة الماضية فقط، رأينا أمثلة كثيرة: قصة “فاقد الكهرباء”، شائعة وفاة رئيس وزراء أسبق، أخبار متداولة عن تدهور صحة مسؤولين سابقين فيديوهات قديمة على أنها جديدة… بلا تدقيق، بلا مصادر، وبلا اعتذار لاحق.
لكن الحقيقة غير المريحة هي أننا أي الجمهور شركاء في هذه الفوضى، شئنا أم أبينا. فحين نشارك بلا تحقق، ونقرأ بلا وعي، وننجرّ للجدل بلا سبب… فإننا نغذّي خوارزميات تعشق الضجيج لأنه يدرّ أرباحاً.
استهلاك الأخبار غير المهنية هو دعم مباشر لمنصات رخيصة المحتوى.
ثمة مواقع في الأردن بنت أرباحاً قياسية على الخداع المتعمّد: عناوين صادمة توهمك أن الحدث في الداخل، لتكتشف أنه في بلد بعيد… ومع ذلك، القارئ مستعد أن يُخدع مرة واثنتين وألف مرة. هنا تكمن المفارقة المؤلمة.
المشهد اليوم مليء بالعبث والابتزاز، ومع ذلك تحظى بعض هذه المنصات باعتراف اجتماعي بعدد المتابعين، بل وأحياناً باعتراف رسمي، وزيارات واسترضاءات من شخصيات عامة، وكأن الضجيج أصبح معياراً للقيمة.
قبل فترة، أطلقت موقعاً إلكترونياً، وقررت أن ألتزم بالمهنية والدقة والنزاهة، وأن أقدّم المعرفة قبل الإثارة، وأبتعد عن الابتزاز واستجداء اللايكات . اكتشفت سريعاً أن هذا الخيار يجعلك أحياناً تصرخ في فضاء بلا نهاية أو تنفخ في قربة مثقوبة.
ورغم وجود قلة ما زالت تحاول الصمود مهنياً، إلا أن السؤال يبقى: هل تتمكن هذه التجارب من البقاء؟
بالمناسبة ورغم كل ذلك، لست مع التضييق القانوني على الإعلام. فالتقييد والمنع لا يصنعان إعلاماً مهنياً، بل مسارات التفاف وتحايل. لكن هناك أدوات أخرى أكثر جدوى، صحيح أنها لن تصلح المشهد برمته لكنه ستخفف من وطأة الزيف : الوعي المجتمعي مثلا، والفرز المهني، والمساءلة الأخلاقية.
مؤسسات المجتمع المدني، ونقابة الصحفيين تحديداً، معنية اليوم بدور مختلف: ليس سنّ قوانين جديدة، بل تمييز الصادق من الزائف.
وهنا اقترح، لماذا لا يكون هناك تصنيف مهني علني للمواقع والمؤسسات الإعلامية؟
نظام شبيه بنظام النجوم، لا يقيس المال فقط، بل المصداقية والمهنية والأخلاق. فموقع أو محطة تلفزيونية أو صحيفة أو إذاعة يثبت عليها نشر الشائعات أو الابتزاز أوالتضليل يتقيَّم ويُعلن ذلك أمام الجمهور. في المقابل تنصف المؤسسات المهنية وذات المصداقية.
هذا المشهد الفوضوي يجب أن ينتهي.
الإعلام، والمؤسسات، والنقابة، والجمهور… كلٌّ عليه واجب.
وإلا سنبقى ندور في حلقة ضجيج، نقتل فيها الصحافة بأيدينا، ثم نتساءل لماذا لم تعد محل ثقتنا!.