
لماذا الآن؟ الرسالة الملكية كإعلان استباقي للأمن الوطني بقلم: جهاد مساعدة
الشعب نيوز:-
لا يمكن قراءة الرسالة التي وجّهها جلالة الملك عبدالله الثاني إلى رئاسة هيئة الأركان المشتركة بوصفها توجيهًا إداريًا أو إجراءً تقنيًا داخل مؤسسة عسكرية، بل هي نص سيادي مكثّف يعكس انتقال الدولة الأردنية إلى مقاربة مختلفة للأمن الوطني، في لحظة دولية وإقليمية تتسم بالاضطراب وتبدّل قواعد القوة.
فالرسالة، بما حملته من دعوة واضحة إلى إعداد استراتيجية شاملة تُفضي إلى تحول بنيوي خلال فترة زمنية محددة، تنطلق من إدراك بأن التحديات المقبلة لن تُدار بمنطق ردّ الفعل ولا بأدوات الأمس.
إنها قراءة مبكرة لعالم تتراجع فيه الحدود الصلبة للصراع، وتتصاعد فيه أشكال جديدة من التهديد، حيث لم تعد المعركة تُخاض في الميدان وحده، بل في الفضاء السيبراني، وفي الوعي الجمعي، وفي سرعة القرار ودقته.
لقد كشفت تجارب السنوات الأخيرة أن طبيعة الحروب تغيّرت جذريًا. فالمسيّرات، والذكاء الاصطناعي، وحروب المعلومات، والتأثير النفسي، باتت عناصر حاسمة في ميزان القوة، لا تقل أثرًا عن السلاح التقليدي.
وما بدا في السابق سيناريوهات نظرية، أصبح اليوم واقعًا عمليًا، تُقاس فيه الجاهزية بقدرة الدولة على حماية بنيتها الرقمية، وصون قرارها، وإدارة وعي مجتمعها في آن واحد.
وفي هذا السياق، تبدو الإشارات الواردة في الرسالة الملكية إلى تطوير القدرات السيبرانية الدفاعية والهجومية، وتعزيز قوة الاحتياط، وإشراك مراكز البحث والصناعات الدفاعية، تعبيرًا عن انتقال واعٍ من جيش يستجيب للتهديد إلى منظومة تستبق حدوثه. وهو انتقال لا يخص المؤسسة العسكرية وحدها، بل يمسّ بنية الدولة بأكملها، ويعيد تعريف العلاقة بين الأمن والمعرفة والتكنولوجيا الوطنية، بما يجعل التحول البنيوي خيارًا استراتيجيًا لا إجراءً تجميليًا.
فالخطاب الملكي لا يتحدث عن تحديث جزئي أو تطوير تقني محدود، بل عن إعادة تعريف للعقيدة والمهام ومنظومة القيادة، وبناء علاقة عضوية بين المؤسسة العسكرية والبحث العلمي والقدرات الصناعية الوطنية.
إنه انتقال من إدارة المخاطر الآنية إلى هندسة الجاهزية للمستقبل، في عالم لا يمنح الدول ترف التأجيل أو هامش الخطأ.
ويأتي هذا التحول في سياق دولي أوسع يشهد مرحلة انتقالية غير مستقرة، من الأحادية القطبية إلى التعددية، وما يرافقها من أزمات وصراعات وارتدادات تتجاوز حدود الدول الكبرى لتصيب الأقاليم الهشّة على نحو مباشر.
وفي مثل هذه اللحظات، تصبح الدول أكثر عرضة للضغوط والاختلالات إن لم تمتلك مؤسسات مرنة وقرارًا استباقيًا يحمي مصالحها.
وفي إقليم يُعد من أكثر أقاليم العالم توترًا، يغدو الاستعداد الأمني شرطًا من شروط الاستقرار الوطني لا خيارًا سياسيًا. ومن هنا، تحمل الرسالة الملكية بعدين متلازمين لا يمكن فصلهما: فهي إلى الداخل تأكيد على الثقة بالقوات المسلحة، وعلى إدراك الدولة لحجم التحديات وعزمها على تطوير قدراتها، وعدم ترك الأمن الوطني رهينة للمفاجآت أو الارتجال.
وهي إلى الخارج رسالة سيادية واضحة بأن الأردن يتعامل بحزم مع أمنه القومي، ويمتلك القدرة على حماية مصالحه، ولن يقبل بفرض أدوار أو ترتيبات تتعارض مع خياراته الاستراتيجية.
في المحصلة، ليست الرسالة الملكية وثيقة عسكرية فحسب، بل إعلان عن مرحلة جديدة في التفكير الأمني الأردني، عنوانها الاستعداد والتحول وبناء القوة. رسالة تقول، بوضوح، إن أمن المستقبل لا يُدار بردّ الفعل، بل يُصاغ بقرار مبكر، ورؤية بعيدة، وإرادة تعرف ما تريد.