لا سيرك في المدينة.. سعيد ذياب سليم

الشعب نيوز:-

كلّما مرّ السيرك في ذاكرتي، أراه بالأبيض والأسود.
لا لأن ألوانه كانت باهتة، بل لأنني لم أزره يومًا على الحقيقة، وإنما عرفته عبر شاشات التلفزيون القديمة، في عروضٍ بدت لي أقرب إلى الحلم منها إلى الواقع. كان السيرك، في تلك الصور، عالمًا قائمًا بذاته: مؤقتًا، عابرًا، لكنه مكتمل الدهشة.
الفيل يقف على قدمين، يلاعب مدرّبه بخرطومه في مشهد يثير الضحك والإعجاب معًا.
الأسد يسير بمهابة، ثم يقفز برشاقة عبر حلقة ملتهبة، في لحظة يتداخل فيها الخطر مع التصفيق.
الحصان يخطو بخطوات راقصة منتظمة، يهزّ رأسه بفخامة، كأنه يدرك أنه جزء من طقس احتفالي.
والرجل ــ الطفل، بضحكته العريضة، يقود دراجته العجيبة ذات الدولابين غير المتساويين، يتعثّر بأغراضه، يسقط ويقوم، يقف على رأسه، ويلقي بكراته في الهواء ببراعة، دون أن تفارقه ابتسامته المدهشة، كأن الألم لا يمسّه.
بهلوانيون يتأرجحون في الهواء، يتدلّون من حبال طويلة، تشاركهم فتيات بملابس لامعة.
تتجمّد الأنفاس مع القفزة الأخيرة، قبل أن تلتقطهم شبكة مشدودة قريبة من أرض المسرح.
نشهق، ثم نطمئن، بعد لحظة خوفٍ مقصودة، مدروسة، هي جزء من العرض نفسه.
لكنني لم أعد أرى ذلك.
هل اختفى السيرك؟
هل نالت الحيوانات التي كانت تعمل فيه حريتها، وعادت إلى الغابة؟
أم أن هذه مجرد أفكار سينمائية رسّختها أفلام الرسوم المتحركة، كما في Madagascar 3 (مدغشقر 3)، حيث تهرب الحيوانات من الأقفاص لتغني وترقص؟
هل تذكرون تلك الأغنية التي كان يرقص عليها الحمار الوحشي مع المجموعة:
“I like to move it, move it”؟
وإن كان السيرك قد غيّر شكله، أو تخلّى عن أقفاصه،
فأين رحلت خيمته؟
وأين ذهبت تلك الدهشة التي كانت تُنصب في قلب المدينة، ثم تُفكَّك بهدوء؟
هل ذهبت مع الطفولة، كأنها لم تكن؟
عندما صحوت من عالم الطفولة، عالم السحر والغرائب، وبدأت أقلب صفحات الكتب، أجمع المعلومات وأرتّبها بمنطقٍ بارد، بدأت أرى الصورة الأخرى لما كان يُعرض في تلك الحلقة الدائرية.
علمت أن الرجل ــ الطفل يُدعى “المهرّج”، وأن ابتسامته المدهشة ليست سوى خطوط مرسومة بالأحمر، وأن قلبه، كقلوبنا جميعًا، معرّض للكسر، مهما أتقن دور السقوط والقيام.
وعلمت أن الأسد، كغيره من الحيوانات، يخاف النار، وأنه لم يكن يقفز عبر الحلقة الملتهبة شجاعةً أو استعراضًا، بل خوفًا من لسعات سوط المدرّب، وأنه، مثل غيره، معرّض لاضطرابات نفسية ناجمة عن الضغط والعزل والترويض القسري.
وعلمت أن ما من حيوان إلا وله عصا وجزرة، يُروَّض بهما، فيفقد شيئًا من هويته بين غريزة الغابة ومهارة اكتسبها بعد ألم. وأن لكلٍّ منها “جنة موعودة” يحلم بالعودة إليها، مع علمٍ خفيّ بأن الأسد أو النمر أو حتى الحمار الوحشي لن يبتسم لأحد إن عاد إليها؛ فالغابة لا تعرف الابتسام، بل تعرف الحرية. وقوانينها تسمح للحيوان أن يستخدم أدواته: المخلب، والناب، والحافر، كما يستخدم الإنسان أدواته: القلم، والريشة… والبندقية.
شيئًا فشيئًا، بدا لي أن السيرك، بحيواناته، لم يكن سوى مظهر من مظاهر سيطرة الإنسان على الطبيعة.
وهنا يتّضح أن نشأة السيرك، ولا سيما عروض الحيوانات، لا تنفصل عن المناخ الثقافي الذي أفرزته الاكتشافات الجغرافية في بدايات العصور الحديثة. فمنذ القرن الخامس عشر، عادت رحلات الاستكشاف الأوروبية بما اعتُبر آنذاك “غرائب العالم”: حيوانات غريبة، وأجناس بشرية، وأشياء اقتُلعت من سياقاتها الطبيعية، وعُرضت في القصور والأسواق للدهشة والفرجة. كان الاكتشاف، في جوهره، تملّكًا، وكان العرض إثباتًا للسيطرة. ومن هذا المنطق نشأت ثقافة استعراضية سبقت السيرك، تمثّلت في حدائق الحيوان الملكية وغرف العجائب، حيث يُرتَّب العالم ويُعرض بوصفه مشهدًا.
ومع ظهور السيرك الحديث في القرن الثامن عشر، ورث هذا الإرث الرمزي، فجُعل الحيوان القادم من “الأراضي البعيدة” عنصرًا مركزيًا في العرض، لا لتفرّده فحسب، بل بوصفه شاهدًا حيًّا على إخضاع الطبيعة والعالم المكتشَف لإرادة الإنسان المستعمِر.
غير أن هذا المشهد لم يبقَ على حاله. فقد شهد السيرك التقليدي خلال العقود الأخيرة تحوّلًا جذريًا، فرضته تطورات اجتماعية وأخلاقية وقانونية متسارعة. تصاعد الوعي بحقوق الحيوان، وكشفت الدراسات ما يلحق بالحيوانات من أذى نفسي وجسدي نتيجة الصيد، والترويض القسري، والحياة المتنقلة. ومع مطلع القرن الحادي والعشرين، سنت دول كثيرة قوانين صارمة تحظر استخدام الحيوانات البرية في العروض الترفيهية، معتبرة ذلك امتهانًا لكرامتها وتهديدًا لسلامتها.
هذا التحوّل دفع السيرك إلى إعادة تعريف ذاته. تراجعت العروض الحيوانية تدريجيًا، وحلّ الإنسان في مركز المشهد. برزت المهارات البهلوانية، وألعاب التوازن والقوة، والتمثيل الإيمائي، والرقص المعاصر. صارت الحلبة فضاءً أدائيًا أقرب إلى المسرح منها إلى ساحة استعراض. ومع تجارب السيرك المعاصر، ونجاح نماذج رائدة كسيرك الشمس الفرنسي، غزا المسرحُ السيركَ بالفعل: صار العرض وحدة فنية متكاملة تحكي قصة، وتستخدم الموسيقى والإضاءة والسينوغرافيا، دون الاعتماد على الحيوان بوصفه أداة إبهار.
وهكذا، تحوّل السيرك من فرجة تقوم على إخضاع الكائن الآخر، إلى فنّ إنساني يحتفي بالجسد، والخيال، وقدرة الإنسان على اللعب… دون أقفاص.
وبقي السيرك، بذاكرته الرومانسية، في قصص الأطفال، وذكريات الأجداد، وكتب التاريخ.
وأصبحنا نحن نقوم بما كانت تقوم به الكائنات التي عملت يومًا في السيرك:
نقفز عبر حلقات ملتهبة، نقف على رؤوسنا، نسير عكس الجاذبية.
ولو سقطنا، ننهض ونبتسم، كما يفعل المهرّج.
ثم قال صديقي، بهدوء، إن للناس من حولي صورةً عني لا تشبه ما أعرفه عن نفسي.

قد يعجبك ايضا