سباق التسلح الذكي بين المشروعين الصهيوني والإيراني: كيف يغيّر الذكاء الاصطناعي معادلات الشرق الأوسط محسن الشوبكي

الشعب نيوز:-

خبير امني واستراتيجي

في قلب التوترات الإقليمية المتصاعدة، يبرز الذكاء الاصطناعي كعامل يغيّر طبيعة الصراعات بشكل جذري. لم يعد مجرد أداة مساعدة، بل أصبح محور سباق تسلح نوعي بين الكيان الصهيوني وإيران. يرتبط هذا السباق بشراكات دولية داعمة، ويتصل بتنافس أوسع بين المشروعين الصهيوني والإيراني في المنطقة. الأدوات تغيرت، لكن منطق النفوذ وإعادة تشكيل موازين القوة مستمر بوسائل تقنية أكثر تطورًا، ما يجعل التقنية عنصر حسم مباشر في ميزان الردع والعمليات.

يرتكز السباق على إدماج الذكاء الاصطناعي في البنية العسكرية والأمنية بهدف تحقيق تفوق يتجاوز السلاح التقليدي. الأفضلية لم تعد في عدد المنصات فقط، بل في جودة الخوارزميات وسرعة المعالجة ودقة القرار. هذا التحول ينقل مركز الثقل من القوة النارية إلى القوة الحسابية.

تظهر المنافسة في عدة مجالات رئيسية. في الطائرات المسيّرة، تُطوَّر أنظمة قادرة على المراقبة الذاتية والاستهداف الدقيق وتقليل التدخل البشري، ما يرفع سرعة التنفيذ ويزيد الدقة. في الدفاع الجوي، تساعد الخوارزميات على كشف التهديدات وتحليلها بسرعة كبيرة، سواء كانت صواريخ أو طائرات. في الحرب السيبرانية، تُستخدم النماذج الذكية في الهجمات الرقمية المعقدة وحملات التضليل، وكذلك في التنبؤ المبكر بالاختراقات عبر تحليل البيانات الضخمة. في التخطيط العملياتي، تدعم النماذج التنبؤية بناء سيناريوهات متعددة وتسريع القرار. بهذه الصورة تصبح ساحة الصراع أكثر تعقيدًا وأسرع إيقاعًا، وتتحول المنطقة إلى مساحة اختبار عملية لهذه التقنيات.

ترتبط اليات السباق أيضًا بدور القوى الكبرى وشبكات شراكاتها. تدعم الولايات المتحدة شراكات تقنية وعسكرية متقدمة مع الكيان الصهيوني تشمل نقل معرفة، وتكامل أنظمة، وتعاونًا صناعيًا في مجالات الاستشعار وتحليل البيانات والقيادة والسيطرة. لا يكون الدعم مباشرًا دائمًا، لكنه يظهر عبر البنية التكنولوجية المشتركة وسلاسل التوريد الدفاعية. في المقابل، تعمّق الصين تعاونها التقني والاستثماري مع إيران بدافع حماية مصالحها الاقتصادية ومسارات التجارة ومشاريع الربط الإقليمي، خاصة المرتبطة بطريق الحرير. يشمل التعاون البنية التحتية الرقمية والحوسبة وتطبيقات الذكاء الاصطناعي المدنية ذات القابلية للاستخدام المزدوج. نتيجة ذلك، لا يبقى التنافس محليًا فقط، بل يصبح جزءًا من تنافس دولي أوسع تُستخدم فيه التقنيات الذكية كأداة نفوذ وردع في الوقت نفسه.

هذا التسارع يرفع مخاطر التصعيد. الأنظمة المؤتمتة تختصر زمن الاستجابة، فيصبح القرار أسرع وأقل خضوعًا للتقدير السياسي البطيء. احتمالات سوء الحساب تزداد، وأي خلل تقني أو قراءة خاطئة للبيانات قد تدفع إلى ردود متتابعة يصعب احتواؤها.

في المقابل، تبدو الدول العربية بعيدة نسبيًا عن الدخول الفعال في هذا المجال الاستراتيجي. بعض الدول بدأ الاستثمار في البنية التحتية الرقمية والحوسبة وبناء قدرات سيادية في الذكاء الاصطناعي، لكن الفجوة ما زالت واسعة مقارنة بتسارع المشروعين الصهيوني والإيراني. تقليص هذه الفجوة يتطلب رؤية طويلة المدى، وبناء قدرات محلية، وتقليل الاعتماد على التقنيات الخارجية، وربط التطوير التقني بالأمن القومي.

في المحصلة، يمثل سباق التسلح الذكي بين الكيان الصهيوني وإيران تحولًا عميقًا في معادلات الشرق الأوسط، ويجسد تنافس المشروعين الصهيوني والإيراني بأدوات رقمية متقدمة. الذكاء الاصطناعي سلاح ذو حدين: قد يعزز التوازن إذا وُجّه للاستخدامات البناءة، وقد يوسع دائرة الاضطراب إذا بقي محصورًا في منطق المواجهة. المنطقة تقف أمام مفترق تقني واستراتيجي، والمتضرر الاكبر المنطقة العربية .

قد يعجبك ايضا