“اللوكو” رواية عن الداي الجزائري علي خوجة الذي تحول من حاكم غامض يصفه الاوروبيون بالمجنون الى اسطورة

الشعب نيوز:-

في عالم الأدب، كثيراً ما تتخذ الأسماء دلالاتها العميقة قبل أن تُروى الحكاية، وهذا ما يحدث مع رواية “اللوكو”، الصادرة حديثاً عن دار فهرنهايت بالجلفة، للكاتب والإعلامي الجزائري موهوب رفيق.

العنوان وحده يثير الفضول: اللوكو كلمة من أصل إسباني تعني “المجنون”، لكنها في هذا العمل الأدبي تتجاوز معناها الحرفي لتصبح مفتاحاً لفهم شخصية داي الجزائر علي خوجة.

منذ الصفحات الأولى، يغوص القارئ في أجواء الجزائر العثمانية، زمن التحولات الكبرى والمؤامرات الخفية، حين كانت القصبة قلب البلاد النابض، ومسرحاً لصراعات الدواوين والقناصل والأسواق، ومجالاً مفتوحاً للمغامرين والساسة.

اختار موهوب رفيق أن يعيد الحياة إلى إحدى أكثر الشخصيات إثارة في تاريخ الجزائر: علي خوجة، الحاكم الذي عُرف بالجرأة في القرار، والتناقض في الطباع، إلى حد وصفه من طرف الأوروبيين بـ”المجنون”. غير أن هذا “الجنون” لم يكن سوى مرآة لعقل متقد، يسعى إلى إعادة رسم حدود السلطة، وتحريرها من التبعية العثمانية.

الرواية تُصاغ بلغة تمتزج فيها الدهشة الفنية بالدقة التاريخية، في أسلوب يحافظ على جاذبية السرد دون أن يفقد عمقه المعرفي. فهي ليست مجرد رواية عن حاكم غريب الأطوار، بل تأملٌ في علاقة الإنسان بالسلطة، وكيف يمكن لليأس والطموح أن يختلطا في روح واحدة لتصنعا أسطورة.

من خلال علي خوجة، يُقدّم الكاتب صورة مركبة للحاكم الذي أراد أن يفتح للجزائريين باب المشاركة السياسية، ويكسر احتكار العثمانيين للسلطة، فقام بإصلاحات شملت الإدارة والمالية، وأسس نظاماً اقتصادياً أعاد للحياة التجارية نشاطها بعد ركود طويل.

اللافت في الرواية هو قدرتها على تحويل الوقائع التاريخية إلى مشاهد نابضة بالحياة. نرى الأسواق تُفتح في الصباح على صياح الباعة، والميناء يموج بالبحّارة والتجار، والقصبة تتعافى بعد قصف إنجليزي دمّر معظم معالمها، غير أن سكانها أعادوا بناءها في عام واحد، متحدّين الدمار بالأمل والإصرار.

هذا الحسّ الإنساني العميق يجعل الرواية تتجاوز حدود التاريخ إلى عالم الإنسان، حيث تصبح القصبة رمزاً للروح الجزائرية التي تنهض مهما طال السقوط.

يستثمر موهوب رفيق في عمله خبرته الإعلامية، فيمزج بين الخبرة التوثيقية والخيال الروائي، ليصوغ عملاً يجمع بين الجاذبية والرصانة. لا يسعى إلى تمجيد الماضي أو تبرئة أحد، بل إلى قراءة التاريخ بعين فنية، تُعيد ترتيب الأحداث وفق منطق السرد لا منطق الوقائع الجامدة.

يبدو الكاتب هنا كمن يبحث عن الإنسان خلف اللقب، عن الحاكم الذي أحب الجزائر بطريقته، وأخطأ أيضاً بطريقته، فحكم بالقوة، وأصلح بالدهاء، وترك وراءه أثراً من الغموض لا يقل سطوعاً عن شهرته.

في إحدى أكثر لقطات الرواية إثارة، يروي موهوب كيف نقل علي خوجة كنز الجزائر من القصبة السفلى إلى العليا على ظهور 400 بغل، في مشهد يتجاوز الخيال ليتحوّل إلى أسطورة سياسية واقتصادية في آن واحد. وفي مشهد آخر، يُصوّر موكب حراسته الذي يضم 200 جندي، ما يعكس حجم السلطة والخوف الذي كان يحيط به.

لكن الرواية لا تكتفي بتصوير السلطة كقوة مادية، بل تتعامل معها كعالم نفسي، حيث تتحول العزلة إلى جنون، والجنون إلى رؤية، وحيث يصبح “اللوكو” رمزاً للحاكم الذي رأى أبعد مما رآه معاصروه، فاتهموه بالجنون لأنهم لم يفهموا منطقه المختلف.

من الناحية الفنية، يُبرز العمل نضج الكاتب في التعامل مع اللغة السردية. فعباراته تنساب بين الحوار والوصف بانسجام موسيقي، يعيد إلى الأذهان روائح التاريخ وصوت المدافع وملمس الجدران القديمة في القصبة. يزرع رفيق في النص تفاصيل الحياة اليومية التي كانت تشكل نسيج الجزائر العثمانية: الباعة، الحرفيون، البحارة، الجواري، والجنود. كلهم يتحركون ككائنات حية داخل اللوحة الكبرى التي يرسمها الكاتب.

قد يعجبك ايضا