
موسم الورد في قلعة مكونة على صفيح ساخن.. من يتحكم في الأسعار ومن يدفع الثمن؟
الشعب نيوز:-
في الوقت الذي تستعد فيه قلعة مكونة للاحتفاء بموسم جني الورد العطري، أحد أبرز الموارد الفلاحية والرموز التراثية بالمنطقة، تتصاعد داخل السوق المحلية مؤشرات اضطراب غير مسبوق بسبب التقلبات الحادة في أسعار الشراء، وتنامي دور الوسطاء، وظهور تساؤلات مهنية حول طبيعة العلاقات المتشابكة بين بعض الفاعلين في سلسلة التحويل والتسويق.
ويشكل الورد العطري، أو الوردة الدمشقية، مورد رزق أساسيا لآلاف الفلاحين والأسر القروية بواحات قلعة مكونة، غير أن هذا النشاط الذي طالما اعتُبر نموذجًا للتثمين المحلي بات يواجه اليوم تحديات تهدد استقراره، في ظل اختلال واضح في ميزان القوة بين المنتجين ووحدات التحويل.
المعطيات المتوفرة من داخل القطاع تشير إلى أن عملية تحويل الورد الطري ما تزال متمركزة عمليًا في معملين رئيسيين، أحدهما تابع لشركة “عطور المغرب” التي ينظر إليها جزء من الساكنة باعتبارها مؤسسة تاريخية ساهمت لعقود في تثمين المنتوج المحلي، إلى جانب معمل كبير آخر تابع لمنافس مباشر. هذا التمركز جعل الفلاحين أمام خيارات محدودة في تسويق محصولهم، وقلّص قدرتهم على التفاوض بشأن الأسعار.
غير أن العامل الأكثر تأثيرًا في السنوات الأخيرة تمثل في صعود الوسطاء كلاعبين جدد داخل السوق، حيث أصبحوا يتدخلون بشكل مباشر في شراء الورد من الفلاحين. ويؤكد عدد من المهنيين أن هؤلاء الوسطاء كانوا من بين الأسباب التي دفعت في مواسم سابقة نحو خفض سعر الكيلوغرام إلى حدود 15 درهمًا أو أقل، وهو ما تسبب في استياء واسع لدى المنتجين بالنظر إلى ارتفاع تكاليف الجني والإنتاج.
ومع حلول موسم 2026، برز تطور أكثر إثارة للجدل، بعدما تم تحديد سعر شراء الورد الطري من طرف معمل “عطور المغرب” في حدود 12 درهمًا للكيلوغرام، بينما شرع الوسطاء في اقتناء الكميات نفسها بأثمان وصلت إلى 22 درهمًا وأكثر. هذا الفارق الكبير خلق حالة من الذهول وسط الفلاحين، وفتح الباب أمام أسئلة ملحة حول ما إذا كان الأمر يتعلق بحركة سوق طبيعية أم بإعادة هندسة موازين النفوذ داخل هذا النشاط الحساس.
ويعتبر متابعون أن ما يحدث لا يبدو مجرد تنافس تجاري عادي، بل يحمل ملامح لعبة مصالح أكثر تعقيدًا، إذ يظهر المعمل الصناعي في موقع المشتري الأقل سعرًا، مقابل بروز الوسيط في صورة الطرف الذي يمنح الفلاح عرضًا أفضل، بما يوحي بوجود محاولة لإعادة رسم صورة الفاعلين داخل السوق وربما منح الوسيط شرعية أكبر في التحكم في مسار المنتوج.
وتزداد الشكوك مع تداول تصريحات منسوبة للمسؤولة عن وحدة التحويل التابعة لشركة “عطور المغرب”، يُفهم منها وجود نوع من التقاطع أو التفاهم مع بعض الوسطاء، وهو ما يثير في نظر مهنيين علامات استفهام حول تضارب المصالح وإمكانية تأثير اعتبارات غير مهنية في تحديد الأسعار.
كما تتحدث أوساط محلية عن وجود علاقات عائلية بين أطراف ذات صلة بالمعمل المذكور وجهات مرتبطة بالمعمل المنافس، وهي معطيات تزيد من تعقيد المشهد وتدفع إلى التساؤل عما إذا كانت المنافسة داخل القطاع تُدار وفق منطق اقتصادي صرف أم أن حسابات النفوذ الشخصي أصبحت عنصرًا حاضرًا في صناعة القرار.
وفي مقابل هذا الارتباك، يلفت عدد من المهنيين إلى أن أخطر ما يهدد القطاع هو عودة الوسيط إلى واجهة التحكم، رغم اتهامه سابقًا بالمساهمة في تبخيس المنتوج المحلي وإدخال أصناف ورد من خارج المنطقة، وهو ما ينعكس تدريجيًا على جودة المادة الأولية وعلى الهوية الأصلية لورد قلعة مكونة الذي بنى سمعته داخل المغرب وخارجه كمنتوج مجالي مميز.
ويرى فاعلون أن استمرار هذا الوضع دون تدخل تنظيمي واضح قد يقود إلى إضعاف الثقة داخل السوق وضرب استقرار السلسلة الإنتاجية برمتها، خاصة أن الفلاح يظل الطرف الأكثر تضررًا بين أسعار متقلبة ومصالح متشابكة وغياب آليات حماية حقيقية.
لذلك تتعالى الأصوات المطالبة اليوم بتدخل عاجل للتنظيم البين مهني والجهات الوصية من أجل ضبط السوق، ومراقبة جودة المنتوج، وفتح تحقيقات مستقلة في كل ما يثار من شبهات حول تضارب المصالح والتأثير غير المشروع على الأسعار.
ففي قلعة مكونة، لم يعد السؤال المطروح فقط هو كم يساوي كيلوغرام الورد هذا الموسم، بل من أصبح يتحكم فعليًا في ثروة عطرية تُعد من أهم رموز المنطقة، ومن الذي سيدفع في النهاية ثمن هذا الصراع الصامت؟