
خريطة الاستنزاف: تحولات داعش الإقليمية والأفريقية محسن الشوبكي
الشعب نيوز:-
خبير امني واستراتيجي
شهدت الفترة الماضية استمراراً لافتًا في نشاط تنظيم داعش عبر عدة مسارح جغرافية، حيث واصل التنظيم الاعتماد على استراتيجية حرب الاستنزاف والعمليات اللامركزية منخفضة الكلفة. ورغم فقدانه القدرة على السيطرة المستدامة على أراضٍ واسعة كما كان الحال في ذروة تمدده سابقاً، إلا أنه ما يزال يحتفظ بقدرة تشغيلية مرنة تتيح له استغلال الثغرات الأمنية والفراغات السياسية، والانتقال الكامل من مفهوم إدارة الأراضي إلى استراتيجية إدارة الفوضى وتعميق الاستنزاف.
وفي منطقة الشرق الأوسط، تركزت تحركات التنظيم في سوريا على تنفيذ الكمائن وضرب خطوط الإمداد في الرقة ودير الزور والبادية، مستفيدًا من الانسحاب الأمريكي والفراغات الميدانية الناتجة عنه. أما في العراق، فقد استمرت الهجمات المتفرقة ضد القوات الأمنية في مناطق ديالى وكركوك وصلاح الدين، بالتوازي مع بروز تحدي معقد يرتبط بملف المعتقلين المنقولين من السجون السورية، حيث يعتمد التنظيم في هذين البلدين على الهجمات المباغتة دون السعي للسيطرة على المدن.
وعلى الصعيد الآسيوي، يبرز فرع “داعش-خراسان” كأحد أكثر فروع التنظيم خطورة وقدرة على التجنيد العابر للحدود، حيث واصل تنفيذ عمليات نوعية ضد أهداف أمنية ومدنية في أفغانستان وباكستان. ويستند هذا الفرع بقوة إلى التطور الرقمي عبر استخدام التطبيقات المشفرة وحملات الدعاية الموجهة، مما يجعله تهديدًا يتجاوز الإطار المحلي ويمتد ليحرك خلايا أو “ذئابًا منفردة” في أوروبا والعالم، وهو ما أكدته وثائق أوروبية حديثة حذرت من خطر هجمات انتقامية يقودها هذا الفرع وتستهدف فئات جديدة من بينها قاصرين يتم استقطابهم عبر منصات التواصل الاجتماعي.
وفي القارة الأفريقية، شهدت منطقة الساحل وغرب أفريقيا، وتحديدًا في مالي والنيجر وبوركينا فاسو، تصعيداً ملحوظاً في الهجمات ضد القواعد العسكرية والمناطق الريفية، حيث أظهر التنظيم تطوراً تكتيكياً عبر استخدام الطائرات المسيّرة ورفع مستوى التنسيق بين الخلايا المحلية لفرض نفوذ مؤقت في الأطراف الهشة. إلا أن ضربة قاصمة وجهت للتنظيم في نيجيريا في منتصف شهر أيار ، إثر عملية مشتركة أمريكية-نيجيرية أسفرت عن مقتل أبو بلال المنوكي، الرجل الثاني في التنظيم ومدير عملياته الخارجية، والذي كان يمثل حلقة الوصل الرئيسية بين الفروع المختلفة، لا سيما في أفريقيا.
وعند مقارنة هذه الديناميكية بنفوذ تنظيم القاعدة، يظهر تباين واضح في القدرات والحجم وسياقات القوة؛ فبينما يرتكز تنظيم القاعدة تاريخياً على فروع تقليدية شبه مستقرة جغرافياً مثل شبه الجزيرة العربية واليمن وأجزاء من الساحل وشمال أفريقيا، إلا أنه يعاني من انكماش في حجمه الإجمالي وتراجع في قدراته الهجومية، متبنياً استراتيجية الانكفاء المحتشم والاندماج المحلي وتجنب الصدام المباشر كخيار للبقاء. في المقابل، يتفوق تنظيم داعش بوضوح في حجم قواته المنتشرة، وقوته العسكرية الميدانية، وقدرته العالية على التكيف الرقمي والعملياتي؛ حيث يمتلك داعش مرونة أكبر في نقل الثقل التشغيلي بين القارات وتفعيل الفروع البعيدة كخراسان وغرب أفريقيا، ما يجعله تنظيماً أكثر عدوانية، وأكبر حجماً، وأسرع مبادرة مقارنة بالهيكل التقليدي المترهل للقاعدة.
أفرز اغتيال المنوكي تداعيات مباشرة ومؤقتة على التنظيم، تمثلت في إحداث فراغ قيادي، وتشويش في قنوات الاتصال، واحتمالية حدوث تنافس داخلي بين القيادات الميدانية. ورغم نوعية هذه الضربة، فإن البنية اللامركزية والظروف البنيوية الهشة مرشحة لتمكين التنظيم من تجاوز هذه الخسارة خلال فترة محدودة، مع احتمال لجوئه لتنفيذ عمليات رمزية لإثبات الاستمرارية. وعلى المدى المتوسط، يُتوقع استمرار تصاعد النشاط في الساحل وغرب أفريقيا، مع اعتماد متزايد على الخلايا المحلية والعمليات منخفضة التكلفة، مما يؤكد أن احتواء هذا التهديد العابر للحدود يتطلب ضغطاً عسكرياً واستخباراتياً مستمراً بالتوازي مع معالجة الأزمات السياسية والاجتماعية التي تمنح التنظيم بيئة خصبة لإعادة الإنتاج.