
في صناعة المشهد د. حازم قشوع
الشعب نيوز:-
في زمنٍ تتسارع فيه صناعة الصورة قبل الفكرة، ويتقدّم فيه التأثير على الحقيقة، تصبح “صناعة المشهد” أداةً فاعلة في تشكيل الوعي وتوجيه الرأي العام. غير أن هذه الأداة، على قدر ما تحمل من قدرة على الإيضاح، فإنها تحمل في طيّاتها مخاطر التوظيف المفرط أو غير المنضبط، خاصة حين تتحول من وسيلةٍ للتفسير إلى أداةٍ لإعادة تشكيل الإدراك العام. وبين ضرورات السياسة وحدود المسؤولية الوطنية، يقف صانعو المشهد أمام اختبار دقيق: كيف يمكن توظيف المشهد دون الإضرار بالبنية المجتمعية أو المساس بثوابتها؟
من الجيد أحيانًا صناعة مشهدٍ ما لإشغال الرأي العام، فهذا سلوك طبيعي يُمارس في بعض الحالات لتسليط الضوء على جملةٍ أو فكرةٍ يراد تمريرها ضمن أدواتٍ انطباعية؛ يقرأها من يمتلك أدوات الفهم كرسالة، بينما ينشغل بها من يقف عند حدود الخبر، وتتفاعل معها حواضن الأهواء وفق قراءاتها المختلفة.
لكن، ليس من الجيد إطلاقًا أن يتم استهداف هذه الحواضن ذاتها في كل مرة؛ لأن ذلك، وفق علوم الهندسة السياسية، يُحدث ضررًا عميقًا في البنية المجتمعية، وقد يخلّف آثارًا يصعب تجاوزها إن لم يُعالج الأمر من جذوره، لا من ظاهره فقط. فتراكم الغبار يصنع ترسبات، وهذه الترسبات قد لا تُزال بسهولة، حتى لو غُسلت بماء زمزم، وهو ما يُعد من المحظورات في علوم المعرفة، حتى وإن كانت الغاية نبيلة.
فبناء سياسة على أنقاض تصدّع في الأساس، يُعد أداءً غير قويم، إن لم يكن غير ناضج في المعنى والمضمون. نعم، قد تبيح الضرورات بعض المحظورات في حالات استثنائية، لكن الخطأ يكمن في تحويل الاستثناء إلى قاعدة تُبنى عليها نظم التفكير وإدارة المشهد، خصوصًا في الشأن الداخلي، الذي يفترض أن يقوم على الانسجام مع الحالة السياسية والتاريخية التي تمر بها المنطقة.
وهذا يفرض على صُنّاع المشهد تجنّب المجازفة أو المبالغة في عرض الصور أو تضخيم العبارات التي باتت معروفة المقاصد. فبناء أعمدة التصدي يتطلب أولًا إرساء قاعدة صلبة، قوامها مواءمة المواطنة بالوطنية، وثانيًا مواجهة التحديات الاقتصادية والمعيشية داخليًا، بدل تصديرها على شكل فقاعات داخل الحواضن الشعبية.
خاصةً بعد حالة الإنجاز المتقدمة التي وصلنا إليها في مستوى اللحمة الوطنية، والتي تجلّت بوضوح في احتفالات المملكة بيوم العلم ويوم الاستقلال، بصورة وطنية استثنائية تعكس عمق الانتماء ووحدة الصف.وهنا يبرز التساؤل، لا بصيغة الاستنكار، بل بصيغة الفهم: لماذا يتم ذلك؟ ولصالح من؟
حتى لا ننزلق إلى مرحلة توزيع شهادات في الوطنية والمواطنة؛ فمن يخطئ في التعبير يمكن مساءلته أو عدم تأييده، لكن التعميم بإشاراتٍ تمسّ الجميع هو أمر مرفوض شكلًا ومضمونًا، ويستوجب الوقوف عنده ومحاسبته، حتى يتوقف هذا اللغط، وتتوقف معه عملية تصدير الأزمات وصناعة المشهد على حساب ذات الحواضن في كل مرة.
فالأردن بيت الجميع، والدفاع عنه وعن مصالحه واجب على الجميع. لا صوت يعلو فوق صوت الوطن، ونظامنا السياسي العريق هو لكل الأردنيين، يمتد بظلال رسالته حيثما امتدت قيمه، وهي عقيدة راسخة في وجدان أبنائه، نفتديه بالنهج والأرواح، ونعمل من أجل رفعته ما بقي في العمر بقية.
إن صناعة المشهد ليست خطيئة بحد ذاتها، لكنها تتحول إلى عبء حين تُستخدم على حساب الاستقرار المجتمعي أو تُوجَّه بذات الأدوات إلى ذات الحواضن في كل مرة. فالدولة القوية
لا تُبنى بالمشاهد العابرة، بل بالثوابت الراسخة، ولا تُدار بالأثر اللحظي، بل بالرؤية المتوازنة التي تحافظ على وحدة المجتمع وتماسكه. وفي الحالة الأردنية، حيث تتجذر قيم الانتماء وتتعزز معاني المواطنة، يبقى الرهان الحقيقي على وعي الجماعة، وعلى قدرة صانع القرار في الموازنة بين مقتضيات المرحلة وحماية النسيج الوطني. فالأردن ليس ساحة لتجارب المشهد، بل بيتٌ جامع، لا يحتمل إلا خطابًا يعزز وحدته، ويصون رسالته، ويُعلي من شأنه في مواجهة التحديات.
حمى الله الأردن، وعزّز وحدته، وحفظ قيادته واسرته ورب اسرته ، إنه سميع مجيب.