
درونات ودولارات د. حازم قشوع
الشعب نيوز:-
في مشهد إقليمي تتسارع فيه التحولات، لم تعد أدوات الصراع محصورة في الميدان العسكري وحده، بل باتت تتحرك بين الدرون والدولار، وبين الرسائل الصلبة والإشارات الناعمة، في معادلة تعيد تشكيل بنك الأهداف وتعيد رسم توازنات المنطقة.
فإذا توقفت الدرونات على دولة الإمارات، فإن الطائرة التي يُتوقع أن يكون على متنها ما يقارب ثلاثة مليارات دولار، تكون قد حطّت في مطار طهران. هذا ما تقوله بعض القراءات التحليلية الموثوقة، لتشير إلى أن أبوظبي قد دفعت بلاء بلاد فارس عنها بعيدًا، لتتحول درونات الفرس إلى أهداف أخرى ضمن بنك الأهداف المتوافق عليه مع إيران وأمريكا.
وهو ما جعل من تل أبيب، كما قيادة “سنتكوم” في تامبا/فلوريدا، تعيد رسم وترسيم خططها في آليات الضربة وثقل ما قد تحمله طائرات F-35 أو صواريخ توماهوك بالغة الدقة، والتي أضحت كل منها يحمل سمة فعلية محدودة، بعد ما يُقال عن سيطرة الصين على الفضاء السيبراني في سماء إيران.
وهذا ما يعني أن ما تم استخدامه سابقًا لن يكون ذا نفع في قادم الأيام، إذا ما استمرت المعركة لأسبوعين كما يتوقع بعض المتابعين، لأن الخليج العربي لن يكون مباحًا بعد فتح المجال لإيران عبر الطائرة المدنية الإماراتية بما تحمله، وما قد تحمله في قادم الأيام. وإذا صحت هذه القراءات، فإن مآلات المشهد ستغير ألوان مراكز التأثير من شراكة داعمة موجبة إلى موقف يأخذ طابع الحياد السلبي، وهو ما يعزوه بعض المراقبين لطبيعة المشهد الدائر بين دبي وأبوظبي، إثر انتقال بيت القرار إلى مركزية أعلى، قد تعيد بدورها دفء العلاقة الإماراتية السعودية.
وتشير القراءات الأولية إلى أن خروج دروع باتريوت الأمريكية عن الخدمة في مركز البحرين، بعد تراجع منصات “ثاد”، أدى إلى توقف الملاحة من مضيق هرمز، وهو ما يعني في المحصلة أن معسكر العمل الدبلوماسي، بقيادة دي فانس، أصبح يشكل الصوت الأعلى بعد تراجع خيار الحسم العسكري، سواء لدى وزير الدفاع أو بعض دوائر القرار المرتبطة برؤية نتنياهو في تل أبيب.
وفي حال تعميم تجربة “طائرة الدولارات” الإماراتية، فإن الخليج برمته قد يخرج من بنك الأهداف الإيرانية، بعد النجاح الذي حققته قنوات التنسيق الباكستانية السعودية الإيرانية التركية والمصرية، والتي أخذت تشكل محورًا إقليميًا ضاغطًا لوقف حالة التصعيد في شرقي وغربي الخليج العربي.كما أن تداخل المشاريع، من بوشهر الإيراني إلى الضبعة المصرية، يعكس ملامح توازن جديد، يضع “بيت القرار” الإسرائيلي أمام معادلة مختلفة، في مواجهة قنوات تنسيق إقليمية باتت قادرة على إعادة بناء نظام توازن جديد بينها وبين واشنطن، بما لا يجعل إسرائيل تقود المنطقة كما كان عليه الحال منذ أوسلو.
وفي هذا السياق، سيبقى الأردن يرفض سياسات التصعيد والتسابق العسكري بهدف الاستحكام، ويرفض استباحة الفضاءات الدولية مهما كانت دوافعها، لأن هذه المسارات لن تقود إلا إلى الدمار. ويرى أن الخيار الأمثل هو الحوار، ضمن أطر القانون الدولي، بما يعزز الشراكات الإقليمية ويؤسس لتوازنات ترفض التسلح النووي، وتحافظ على المسار السلمي، مع رفض التدخلات في شؤون الدول، ووقف السياسات التوسعية التي تهدد استقرار الإقليم.
وبين الدرون والدولار، تتحدد ملامح المرحلة القادمة، لا بمنطق الغلبة بل بقدرة الأطراف على إدارة التوازن. فإما أن تنزلق المنطقة إلى معادلة “خاسر – خاسر”، أو أن تعيد إنتاج نفسها ضمن معادلة “رابح – رابح”، وهو الخيار الذي يتطلب التفافًا إقليميًا واعيًا، يضع مصلحة الاستقرار فوق منطق الصراع القائم بين صواريخ ودرونات ترسل ومفاوضات ودولارات تحمل .