السنابل الخضراء عاطف أبو حجر

الشعب نيوز:-

 

قبل أن تتغير ملامح الحياة وتغزو الحداثة تفاصيل الريف، كانت السهول الواسعة تروي قصة الإنسان والأرض. في بيوت الشعر المتناثرة بين موارس القمح عاش الأجداد والجدات أيامًا عامرة بالعمل والمحبة والبساطة. ومع منظر الحطب والنار أمام البيوت، ورائحة خبز الصاج الشهية التي كانت تسبق الجميع إلى الحقول، فترافق أهلينا في يومهم الطويل بين مواسم الحصاد والسنابل. تلك الذكريات ليست مجرد مشاهد من الماضي، بل صفحات مضيئة من تراثنا الشعبي وحكايات لا تزال تنبض في الذاكرة.

وما إن تقترب بشائر الصيف، حتى تعود الذاكرة إلى مواسم الخير التي عاشها أهل الريف الأردني، وفي مقدمتها موسم الفريكة، ذلك الموسم الذي كان يشكّل محطة مهمة في حياة الأسر الزراعية قبل حلول موسم حصاد القمح الكامل.

في طفولتنا في مغاريب السلط وزغيب وبطنا، اعتاد الآباء والأجداد استثمار خيرات الأرض ومواسمها المختلفة، وكانت الفريكة واحدة من أبرز تلك المواسم التي تجمع بين العمل والتعاون العائلي. ويُعتبر القمح من أهم المحاصيل الزراعية في الأردن، حيث تتركز زراعته في مناطق الشمال والوسط، ولا سيما في محافظة إربد وسهل حوران، الذي يُعد من أكثر المناطق خصوبة وإنتاجية للمحاصيل، إلى جانب مناطق البادية ومحافظات مادبا والبلقاء والكرك ومعان.

وقبل أن تنضج سنابل القمح وتتحول إلى اللون الأصفر، كان الأهالي يتوجهون إلى موارس القمح لقطفها وهي لا تزال خضراء وطرية، فيما يُعرف بالطور العجيني، وهي فترة تمتد عادة من أواخر نيسان وحتى منتصف حزيران.

كنا نبدأ رحلة الفريكة بحصاد السنابل الخضراء وجمعها في حزم، ثم إخضاعها لعملية شواء، حيث يحترق القش وأطراف السنابل، وتبقى حبات القمح بلونها الأخضر الموشح بالسواد.

بعد ذلك تأتي مرحلة فرك السنابل لفصل الحبوب عن القش والأوراق المحترقة، ثم تُنشر لتجف تحت أشعة الشمس. وما زالت صور الجدات والأمهات وهن يقمن بهذه المهمة حاضرة في الذاكرة؛ إذ كانت جدتي هلالة، رحمها الله، وعمتي ووالدتي يبسطن البطانيات على سطح الدار الفلاحية، وينثرن فوقها حبوب الفريكة لتجف بهدوء، فيما تعبق الأجواء برائحتها الشهية الممتزجة بعبق الأرض وعطر الحصاد.

أما نحن الأطفال، فكنا نرى في تلك الحبوب كنزًا لا يُقاوم، وكثيرًا ما كنا نغافل جدتنا ونختلس حفنات صغيرة من الفريكة الطرية قبل اكتمال تجفيفها، لنستمتع بطعم ما زال عالقًا في الذاكرة حتى اليوم؛ طازجًا ومحمصًا في آنٍ واحد، يحمل نكهة الأرض والبساطة، وعبق ذكريات الطفولة الجميلة.

ورغم ما شهدته الحياة من تطور في أساليب الزراعة والإنتاج، ما يزال موسم الفريكة يمثل لنا جانبًا مهمًا من التراث الزراعي الأردني، ويحتفظ في الذاكرة بصورٍ جميلة من حياة الريف، حين كانت الأرض محور الحياة ومصدر الخير، وكانت المواسم تجمع الناس على العمل والمحبة وتقاسم ثمار الجهد.

ومع كل موسم جديد، تتجدد تلك الذكريات في الوجدان، لتعيدنا إلى تفاصيل بسيطة لكنها غنية بالمعنى؛ رائحة الأرض، وسنابل القمح الخضراء، وأيدي الجدات والأمهات وهي تصنع من التعب فرحًا، ومن الجهد حكاية للأجيال.

إن الحفاظ على هذه المواسم الزراعية وتوثيقها ليس مجرد استعادة للماضي، بل هو حفظٌ لجزء أصيل من هويتنا وتراثنا، ونقلٌ لقيم العمل والتعاون والانتماء إلى الأرض للأجيال القادمة.

وتبقى هذه الذكريات جزءًا أصيلًا من هوية الريف الأردني، حيث تتجدد الحكايات مع كل موسم، ويظل الماضي حاضرًا في تفاصيل الحياة اليومية رغم تغيّر الأزمنة. وبين العمل والمحبة ودفء البساطة، تبقى رائحة الأرض نابضة في الذاكرة، وتظل سنابل الفريكة شاهدًا حيًا على مواسم الخير التي جمعت الناس على التعاون والود، وحملت بين حباتها حكايات الأجداد ودفء الريف الذي لا يُنسى.

قد يعجبك ايضا