
يركض عاريًا.. سعيد ذياب سليم
الشعب نيوز:-
يركض عاريًا
أن يركض شخص في الشارع، فهذا حدث عادي جدًا؛ فالأطفال دومًا يركضون.
أما إن كان رجلًا، فسيثير الفضول بلا شك.
وأما أن يركض عاريًا كيوم ولدته أمه، فهذا عجيب.
والأعجب أن تجتمع فيه هذه الصفات جميعًا، وأن يركض بين السيارات في شارع مزدحم وسط المدينة، ولا يهتم لأمره أحد.
وقد كنتُ يومها عالقًا في ذلك الشارع، أقود سيارتي عائدًا إلى البيت بعد انتهاء عملي، في يوم قائظ من أيام حزيران.
وكنتُ أُحدّث نفسي: متى أصل، فأخلع ملابسي، وأتحرر ــ ولو لساعات قليلة ــ من قيودي، وأجلس في وجه تيار هواء بارد؟
لكنَّ طابور السيارات كان يزحف ببطء، وكانت الشمس تلقي بحمم نيرانها، فيسخن الإسفلت والسيارات والأنفاس.
عندها رأيته.
كان يركض عاريا كيوم ولدته أمه.
مسحت العرق عن جبينِي، وشعرت بحرارة غير مألوفة تسري في جسدي، وأمعنت النظر فيه.
لا بد أن بعضهم شعر بالدهشة، أو بالبغض، أو بالشفقة، وربما حسده آخرون على جرأته وإن أخفوا ذلك. أما الرجل نفسه فلم يكن يبدو عابئًا بأحد، فقد كان يركض بخفة ونشاط كأنما يلاحق موعدًا لا يجوز أن يفوته.
وما لبث أن ابتعد شيئًا فشيئًا حتى ابتلعته المسافة، تاركًا خلفه أسئلة لم أجد لها جوابًا.
في تلك الأثناء كانت السيارات تتقدم ببطء، والمذياع يبث أغنيات متقطعة تتخللها نشرات الأخبار.
رأيت السائق أمامي يلوح بيديه ويطلق زامور سيارته بإلحاح.
عندها فقط انتبهتُ أن سيارتي كانت قد زحفت حتى لامست صدّامه الخلفي.
رفعت يدي معتذرًا، لكنه كان قد أشاح بوجهه.
وفي إحدى النشرات تحدّث المذيع عن متحوّر جديد من فيروس «نيرفا» أخذ ينتشر في أنحاء العالم.
ويتسبب ــ بحسب التقارير الأولية ــ بارتفاع درجات الحرارة، وضعف التركيز، واضطرابات في الإدراك في بعض الحالات.
ثم ختم الخبر بالدعوة إلى أخذ الحيطة والحذر، ولا سيما في الأماكن المزدحمة.
لم أتوقف كثيرًا عند ما سمعت. فقد اعتدت في السنوات الأخيرة على موجات متعاقبة من الإنذارات الصحية التي كانت تعبر دون أن تترك أثرًا يُذكر في حياتي اليومية.
أغلقت نوافذ السيارة وأدرت مكيف الهواء.
وعدت أتابع حديث المذيع يصف مراحل تطور الإصابة بالفيروس.
لم يدم القلق طويلًا، فحوّلت المذياع إلى محطة موسيقية.
وبدأت هز رأسي مع الإيقاع.
وفي التفاتة عابرة إلى المرآة الوسطى خُيّل إليّ أن مصابيح السيارة خلفي ترمش لي.
أغمضت عيني لحظة ثم فتحتها، فعادت مجرد مصابيح عادية.
دعست دواسة البنزين فأسرعت السيارة في طريقها، كانت إشارات المرور تتعاقب أمامي: أحمر، فأصفر، فأخضر.
وللحظة قصيرة بدت ألوان إشارات المرور أشد سطوعًا مما اعتدت.
وحين وصلت إلى الحي الذي أسكنه، انعطفت نحو الشارع المؤدي إلى المنزل.
عند رأس الحارة كانت أفواج الصبيان والصبايا عائدة من مدارسها، تميزهم أزياؤهم الموحدة، وهم يضمون كتبهم إلى صدورهم في كسل آخر النهار.
غير أن شيئًا آخر شد انتباهي.
كان هناك رجل يركض كيوم ولدته أمه، قادمًا من الجهة المقابلة، يشقّ طريقه بين التلاميذ، مسرعًا لا يلتفت إلى شيء.
ابتعد بعضهم عن طريقه خجلًا أو خوفًا، وتوقف آخرون يحدقون فيه وقد عقدت الدهشة ألسنتهم.
ومضى الرجل نحو وجهة لا يعرفها أحد.
هل كان الرجل نفسه الذي رأيته في وسط المدينة؟ وما أدراني؟ الأجساد تتشابه، والوجوه تمر أمامنا كأنها نسخ مكررة.
واصلت القيادة.
غير أن الطريق أخذ يطول على نحو لم أعهده.
كان ينبغي أن أصل إلى البيت منذ وقت، لكن البيت لم يظهر.
بدت الواجهات مختلفة، والنباتات على الأرصفة غريبة، كأنني أعبر حيًا يشبه حيي ولا ينتمي إليه.
صرخ بي صوت: “انعطف إلى اليمين .. إلى اليمين”.
هل كان المذياع يبث ذلك؟
انعطفت كما أشار الصوت، فإذا أنا أسير في شارع خلفي مغلق يقف في نهايته شخص يشير بيديه: “ممنوع… ارجع، ارجع!”
استدرت لأعود وفي اللحظة التي انطلقت فيها التفتُّ نحوه لحظة. بدا لي مألوفًا…
إنه… هل هو رئيسي في العمل؟
مرة أخرى صرخ بي الصوت ـــ بدا لي كأنه صوت رئيسي في العمل: “إلى اليسار .. إلى اليسار”.
انعطفت فارًّا من المأزق. ونظرت في المرآة الوسطى شاكرا لكنني لم أراه، نظرت إلى المقعد الخلفي… كان فارغًا تمامًا.
ارتجفت وشعرت بحلقي جافًّا، أمسكت بالمقود بقوة كي لا أنحرف في وجه الريح، كُنْتُ أسير مسرعا ويلاحقني كائن ضخم ينفث لهبا يكاد يدركني.
شعرت أنني محاصر وأخذت الشوارع تضيق شيئًا فشيئًا حتى بدت لي ممرات بين أشجار كثيفة.
بدا من بعيد فرجة في الغابة، أو هكذا خُيّل إليّ، فأسرعت إليها.
فوجدته أمامي من جديد يركض كيوم ولدته أمه.
هل كان يهرب أمامي أم كنت ألاحقه؟ تعلق السؤال على شفتي.
التفت نحوي.
ملامحه مألوفة… خصلات شعره التي تحركها الريح، الندبة على صدغه الأيمن، وجهه الدائري، طريقته في الركض…
هه… إنه… إنه أنا.
واصطدمت بحاجز شفاف.
صخبٌ مفاجئ، وزجاج يتكسر.
شظايا تتطاير، وسائلٌ أحمر دافئ يسيل على وجهي ويغرق ملابسي.
زحفتُ ببطء من تحت الحطام.
رفعت رأسي… كان مدخل مجمع تجاري ضخم. صراخ وعويل سيارات الإسعاف، بعضها يأتي وأخرى تغادر، رأيت أجسادًا ترتفع في الهواء نحو السماء، بعضها بأجنحة، وبعضها يركض عاريًا كما ولدته أمه.