على من تنبح الكلاب؟سعيد ذياب سليم

الشعب نيوز:-

سمعت نباح كلاب ضالة قريبًا من بيتنا ليلة البارحة، ونحن نسكن حيًا من أحياء المدينة المزدحمة، ذلك النباح الذي غاب عن مسامعي منذ عقود وأثار فيَّ ذكريات كثيرة.
خرجْتُ مبكرًا ذات صباح، وكنت في الثالثة عشرة من عمري، حاملاً وعائي الصغير، أبحث عن حليب طازج أشتريه لأبي المريض.
كانت هناك فضاءات خالية في الجوار، وأشجار متفرقة، وحقول يُزرع فيها العدس والحمص، وترعى فيها قطعان الماشية. منطقة تختلط فيها المدينة بالريف، وتمتد فيها الأرض على سعتها قبل أن تبتلعها الأبنية والطرقات.
اقتربْتُ من بيت الشَّعَر وحوله خراف كثيرة، وفجأة انطلقت الكلاب تنبح وتلاحقني. ركضتُ بكل ما تملك ساقاي الصغيرتان من قوة. وعندما بلغت تلة تشرف على هوّة تملؤها النباتات الشوكية، قفزت قفزة لا أذكر أنني أتيت بمثلها من قبل، وسقطت عند حافة ذلك السهل المكسو بالشوك. هناك توقفتْ الكلاب عن ملاحقتي، ونجوت.
هل لأنها بلغت حدود مملكتها؟ أم لأنها اكتفت بعد أن لقنتني الدرس: لا تقترب؟
عندما التقطت أنفاسي ونظرت حولي، اكتشفت أنني أقف بين القبور في الجبانة القديمة. أخذت أتأمل الشواهد بصمت، متنفسًا الصعداء، وقد أفلتُّ من السقوط في ذلك البحر من الشوك.
سرت مبتعدًا تخالجني أحاسيس متباينة: خوف مما جرى، وزهو انتصار صغير، وامتنان عميق للنجاة.
وعندما اقتربْتُ من بيتِنا شاهدتني جارتنا وأنا أعود أحمل وعاءً فارغًا. نادتني وسألتني عن حالي، ولمّا علمَتْ أنني خرجت أبحث عن حليب طازج، أخذت مني الوعاء، واقتربت من شاة لها، فاحتلبت ما ملأه عن آخره.
شكرتها وعدت إلى البيت.
ولم تكن تلك آخر عهدي بالهوة ولا بالجبانة القديمة. فقد عدت إليهما مرارًا، وسرت كثيرًا حولهما بصحبة أصدقائي، إذ كان ذلك المكان واحدًا من ميادين طفولتنا الرحبة.
تسلقنا الأشجار، وقفزنا فوق صخوره، وغافلنا حارس الحقل وخطفنا شيء من عدسه، متخطين نباتات الشوك وتيجانها الزاهية. حتى إذا حل الليل، ـــ وكان الليل يحل علينا مبكرًا أحيانًا ـــ طردنا وحشته بالحكايات، وكثيرًا ما انبرى أحدهم وتحدث عن ذلك الطفل الذي عاش بين الكلاب ونبح مثلها بعد أن تعرض لعضة من أحدها.
وبين حكايات الصبية التي كانت تُخرج الكلاب من الظلام أكثر شراسة مما هي عليه، وحكايات أمي التي كانت تردّها إلى حجمها الطبيعي، تشكلت صورتي الأولى عنها وعن عالمها.
ومن أكثر ما أذكره من حكايات أمي قصة كلبة عاشت عند جدتي.
كانت جدتي تعتني بدجاجة عناية خاصة، وتركتها ترقد على بيضها في سلة من البوص، وكانت عندها كلبة تتولى الحراسة. وفي ليلة ظلماء أغار ابن آوى على قِنّ الدجاج، فحمل السلة بما فيها وفر هاربًا. وما إن فطنت له الكلبة حتى اندفعت خلفه تطارده. وبعد وقت قصير عادت تحمل السلة معلقة في رقبتها، والدجاجة ما تزال فيها مع بيضها.
لكن نهاية الكلبة كانت حزينة. فقد اعتادت أن تمشي مع جدتي في زياراتها إلى قريتها. وفي أحد الأيام صدمتها سيارة فأصابتها إصابة قاتلة. أبعدتها جدتي عن الطريق وجلست إلى جوارها تكلمها وهي تحتضر. وحين نهضت لتتابع طريقها، ارتفع أنين الكلبة ونباحها، فعادت إليها. ثم حاولت الرحيل مرة أخرى، فعادت الكلبة إلى الأنين. وتكرر المشهد مرات عدة، حتى اضطرت جدتي لمتابعة طريقها بقلب مكسور بعد أن ودعتها الوداع الأخير، ومضت في طريقها.
ليلة البارحة، وأنا أستمع إلى ذلك النباح الغريب في حيينا المزدحم، لم أشعر بالخوف الذي عشته في الثالثة عشرة من عمري، ولم تلوح لي الأشواك مهددة برماحها أو شواهد المقبرة القديمة. بل وجدتني أبتسم في الظلام، متسائلاً بقلب طفل: على من تنبح الكلاب هذه المرة؟

قد يعجبك ايضا