لماذا غابت الأحزاب عن الناس ، وأصبح الناس غائبين عن الأحزاب ؟ : الدكتور نسيم أبو خضير

الشعب نيوز:-

ليست المشكلة الحقيقية في عدد الأحزاب ، ولا في كثرة المنتسبين المسجلين في سجلاتها ، وإنما في حجم الحضور الفعلي على أرض الواقع . فكم من حزب يعلن عن آلاف المنتسبين ، بينما لا يحضر أنشطته وإجتماعاته إلا عشرات قليلة ، وكم من أعضاء إنضموا في مرحلة ما ، ثم مضت الأيام حتى نسوا أنهم أصلًا أعضاء في ذلك الحزب ، لإنقطاع التواصل ، وغياب النشاط ، وإنعدام الشعور بالإنتماء الحقيقي .
وفي بعض الحالات ، يبدو وكأن الحزب كله يُختصر في أمينه العام ، وربما يسانده عدد محدود لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة ، بينما بقية الأعضاء مجرد أسماء في الكشوفات ، لا دور لهم ، ولا مشاركة ، ولا حضور ، ولا تأثير .
إن الحزب السياسي لا يُقاس بعدد بطاقات العضوية ، وإنما يُقاس بحجم عطائه ، ومدى حضوره بين الناس ، وقدرته على ملامسة هموم المواطنين ، وتحويل برامجه إلى مبادرات ومواقف وإنجازات . أما إذا بقيت البرامج حبيسة الأدراج ، أو صفحات تُقرأ في المؤتمرات والخطابات فقط ، فإنها لن تصنع حزبًا مؤثرًا ، ولن تُقنع مواطنًا بالإنضمام إليه أو الدفاع عنه .
ولعل أحد الأسباب التي يراها كثيرون وراء هذا الواقع ، أن نشاط بعض الأحزاب يبلغ ذروته عند إقتراب الإنتخابات ، ثم يخفت بعد إنتهائها . فتتحرك اللقاءات ، وتكثر التصريحات ، وتُعقد الإجتماعات ، ثم ما تلبث أن تعود حالة السكون ، وكأن الحزب أُنشئ لخوض الإنتخابات فقط ، لا ليكون مؤسسة سياسية تعمل على مدار العام .
إن المواطن اليوم يبحث عن حزب يراه في الميدان ، يسمع صوته في القضايا الوطنية ، ويشعر بوجوده في المبادرات المجتمعية ، ويجد لديه حلولًا واقعية للتحديات الإقتصادية ، والإجتماعية ، والإدارية ، لا حزبًا يكتفي بالشعارات ، والبيانات ، والخطب .
والعمل الحزبي الحقيقي لا يقتصر على المنافسة الإنتخابية ، بل يبدأ منها ولا ينتهي عندها . فهو حوار دائم مع المجتمع ، وتأهيل للشباب والمرأة ، وإعداد للقيادات ، وتقديم للدراسات ، وصناعة للمبادرات ، ومتابعة لقضايا المواطنين ، والمساهمة في بناء الوعي السياسي ، وتعزيز المشاركة العامة .
إن الأحزاب التي تريد الإستمرار مطالبة بأن تعيد النظر في أدواتها ، وآليات عملها ، وأن تنتقل من مرحلة تسجيل الأعضاء إلى مرحلة صناعة الأعضاء الفاعلين ، ومن مرحلة كتابة البرامج إلى مرحلة تنفيذها ، ومن الإكتفاء بالمقار والإجتماعات إلى النزول المستمر بين الناس .
فالوطن بحاجة إلى أحزاب قوية ، حاضرة ، مؤثرة ، تحمل هموم المواطنين ، وتسهم في تقديم الحلول ، وتكون شريكًا حقيقيًا في التنمية والإصلاح . أما الحزب الذي يقتصر حضوره على الأوراق ، فإن تأثيره سيبقى على الورق أيضًا .
إن من المؤشرات التي تستحق الوقوف عندها ، أن بعض الأحزاب أصبحت تضم في سجلاتها أعضاءً لا يعلمون شيئًا عن أنشطة أحزابهم ، بل إن بعضهم قد نسي أصلًا أنه منتسب إليها . وهذا يدل على أن العضوية الشكلية لا تصنع حزبًا ، وأن الأرقام وحدها لا تعكس قوة التنظيم أو تأثيره في المجتمع .
إن هذه الملاحظات تمثل قراءة نقدية لواقع قد ينطبق على بعض الأحزاب أكثر من غيرها ، ولا يمكن تعميمها على جميع الأحزاب ، إذ إن تقييم أي حزب ينبغي أن يستند إلى نشاطه الفعلي ، وبرامجه ، وإنجازاته ، ومدى تفاعله المستمر مع المجتمع . فنجاح الحياة الحزبية لا يتحقق بكثرة الأسماء في السجلات ، بل بحيوية العمل ، وصدق الرسالة ، وإستمرار الحضور بين الناس ، لأن الأحزاب وجدت لتكون مدارس في العمل الوطني ، لا مؤسسات موسمية تنشط عند الإنتخابات ثم تغيب بعد ذلك .

قد يعجبك ايضا