
الاتفاق الامريكي الإيراني المحتمل يشكل شرق أوسط مستقل الكاتبة: كريستين حنا نصر
الشعب نيوز:-
بين تضارب التصريحات المتبادلة بين أمريكا وإيران بعد إبرام مذكرة التفاهم، والتي إذا نجحت بعد ستين يومًا من توقيعها فسوف تؤدي إلى اتفاق أخير مبرم بينهما، تبدو كل المؤشرات دالة على أن الوضع يتفاقم يومًا بعد يوم، عقب هجوم بطائرة مسيّرة استهدف ناقلة نفط في مضيق هرمز، نُسب إلى إيران. وعلى ضوء هذا الاستهداف، شنت أمريكا ضربات جديدة داخل إيران، وردًا على الهجوم الأمريكي صرح الحرس الثوري باستهداف مواقع عسكرية أمريكية في الشرق الأوسط.
وبالطبع، تستمر إيران في استهداف الكويت والبحرين، ويبدو أنه حتى لو اتفقت مع أمريكا ــ وبالنسبة لي فإن هذا الأمر مستبعد ــ فإنها سوف تستمر في استهداف دول الخليج، وتحديدًا الكويت والبحرين. وحتى اليوم لا أحد يعرف على وجه الدقة لماذا تستهدفهما إيران، وما الذي تسعى إلى تحقيقه من وراء هذه الاستهدافات، بالرغم من أن المعركة الحقيقية هي بين إيران من جهة، وأمريكا وإسرائيل من جهة أخرى.
وكما نعلم، فإن الهدف الأساس لإيران، كما تقول، هو القدس، ولهذا السبب دعمت وكلاءها في الشرق الأوسط. إلا أن البوصلة، فيما يبدو، قد تغيرت إلى ما يشبه “تحرير” لبنان والعراق واليمن، وقبلها سوريا، وفرض الأحزاب والمليشيات بما يزعزع سيادة هذه الدول بحجة تحرير القدس، وإقحامها في حروب لا ناقة لها فيها ولا جمل، الأمر الذي أثر سلبًا في اقتصاداتها وأمنها الداخلي، ومَسَّ سيادتها من خلال سحب قرار الحرب والسلم من الدولة، التي لم تستطع فرض قراراتها السيادية على أراضيها. كما أن الأحزاب المسلحة المدعومة إيرانيًا أصبحت تتفوق على الجيوش النظامية بما تمتلكه من طائرات مسيّرة وصواريخ، كما هو الحال في لبنان والعراق واليمن.
ولنستعرض أوضاع هذه الدول، ومنها العراق الذي عانى كثيرًا من المليشيات المدعومة إيرانيًا، والتي استهدفت خلال الحرب الأخيرة دولًا عربية وخليجية، إضافة إلى مواقع في إقليم كردستان العراق، وهي عمليات تبنتها ما يُعرف بالمقاومة الإسلامية العراقية، وتحديدًا خلال الحرب الأخيرة بين إيران وأذرعها من جهة، وإسرائيل وأمريكا من جهة أخرى. وكذلك الحال في لبنان واليمن، حيث يهدد الحوثيون مرارًا بإغلاق مضيق باب المندب.
الاتفاق الأمريكي الإيراني لم يُحسم بعد في ورقته الأخيرة، أي التفاهم النهائي، بعد انتهاء مهلة الستين يومًا، وهي مدة قابلة للتمديد للوصول إلى الحلقة الأخيرة من مسلسل المفاوضات، الذي لم ينتهِ بعد، وما يزال مستمرًا وسط غموض بشأن مخرجاته، وهل سيتوصل الطرفان في النهاية إلى اتفاق نهائي، أم أن احتمالية انهيار هذا الاتفاق ما تزال قائمة؟
ويبدو لي، في ضوء المؤشرات والتطورات الحالية في المشهد الإيراني الأمريكي، الذي يتسم خلال هذه الفترة بتضارب التصريحات واستمرار تبادل الضربات العسكرية، أن الحرب الحقيقية بالنسبة لإيران تتمثل في استهداف دول الخليج في خضم مسلسل المفاوضات الرامي إلى إبرام اتفاق نهائي. كما يبدو أن الحلقة الأخيرة تتعلق بأطماع إيران في دول الخليج، وتحديدًا الكويت والبحرين، وربما غيرهما من الدول الخليجية.
وفي السياق ذاته، وخلال فترة الستين يومًا، وعلى ضوء احتمال إبرام اتفاق نهائي بين أمريكا وإيران، استغل لبنان هذه المرحلة، في خطوة سياسية محنكة، لبدء مفاوضات في أمريكا تهدف إلى إبرام اتفاقية سلام مع إسرائيل. ولا تستطيع إيران انتقاد هذا المسعى اللبناني، لأنها هي نفسها تسعى إلى إبرام اتفاق نهائي مع أمريكا بعد انتهاء فترة الستين يومًا من توقيع مذكرة التفاهم بينهما. وهذا يدل، بحسب هذا الطرح، على الحنكة السياسية اللبنانية في اختيار هذا التوقيت للسعي نحو اتفاقية سلام مع إسرائيل.
وقد توصلت الدولة اللبنانية وإسرائيل وأمريكا، في العاصمة واشنطن، إلى توقيع اتفاق إطاري يمثل اللبنة الأولى باتجاه مفاوضات السلام الشامل ووقف إطلاق النار. وينص هذا الاتفاق على انسحاب إسرائيل تدريجيًا من المناطق الجنوبية في لبنان، وتسليمها إلى الجيش اللبناني، الذي سيتولى بدوره بسط سيادة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها، إضافة إلى نزع سلاح حزب الله.
ويبدو أن سياسة إيران الحالية، الساعية إلى إبرام اتفاق مع أمريكا، قد فسحت، بصورة غير مباشرة، الطريق أمام لبنان لانتهاز الفرصة والسعي أيضًا إلى إبرام معاهدة سلام مع إسرائيل، الأمر الذي قد يمكن الدولة اللبنانية من فرض سيادتها ونزع سلاح حزب الله. ويُعد هذا، وفق هذا التصور، مؤشرًا غير مباشر على تخلي إيران عن أذرعها ومليشياتها، بالتوازي مع احتمال إبرام اتفاقية السلام المرتقبة إذا تم التوصل إلى اتفاق نهائي بعد انتهاء مهلة الستين يومًا من الاتفاقات الأولية التي وُقعت مؤخرًا في جنيف بين إيران وأمريكا.
وترى هذه القراءة أن هذه التطورات قد تمثل بداية رسم شرق أوسط جديد، من دون أي تدخل إيراني في هذه الدول، وبما يؤدي إلى إنهاء وجود الأحزاب والمليشيات المسلحة المدعومة من إيران، وبالتالي إنهاء معادلة “وحدة الساحات”، بحيث لا تكون هناك حرب ولا وحدة ساحات مع غزة. كما يبدو أن أحد أهم الملفات يتمثل في المبالغ التي قد تحصل عليها إيران جراء الاتفاق المرتقب مع أمريكا، إلى جانب التوصل إلى اتفاق لحل معضلة مضيق هرمز، التي لا تزال عالقة ومشتعلة حتى اليوم، فضلًا عن الملف النووي وتخصيب اليورانيوم، اللذين ما زالا من أبرز القضايا العالقة التي لم يتوصل الطرفان إلى حل بشأنها.
والملفت أيضًا أنه، وفي هذه المرحلة تحديدًا، أي مرحلة السعي إلى إبرام اتفاق بين إيران وأمريكا، استغلت العراق هذه الفترة الذهبية لفرض سيادتها على كامل مفاصل الدولة العراقية. فقد بدأ رئيس الوزراء العراقي الحالي، علي فالح الزيدي، بالضرب بيد من حديد على الفاسدين في العراق، واجتثاث الفساد الإداري، وهدر المال العام، وغسل الأموال، واسترجاع الأموال والأراضي المنهوبة إلى الدولة.
وأطلق عبارته: “لا حصانة لأحد، ولا خطوط حمراء في معركتنا ضد الفساد واسترداد أموال الدولة”، في إطار حملة شنتها السلطات العراقية تحت اسم “صولة الفجر”، والتي شملت اعتقالات لعشرات المسؤولين والنواب بتهم تتعلق بالفساد.
وتحمل هذه الحملة في طياتها عدة رسائل من رئيس الوزراء العراقي إلى الداخل العراقي وإلى الخارج، وتحديدًا إلى واشنطن. ويهدف الزيدي، على صعيد السياسة الخارجية، وقبيل زيارته المرتقبة إلى واشنطن في منتصف يوليو/تموز 2026، إلى إظهار استعداد حكومته لاتخاذ قرارات حاسمة وجدية لمكافحة الفساد الداخلي وغسل الأموال، وكذلك السعي إلى حسم معضلة المليشيات العراقية الموالية لإيران والحد من نفوذها، والتي تعمل خارج إطار سيادة الدولة العراقية، وكانت من بين مطالب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الحكومة العراقية الحالية برئاسة علي الزيدي.
إن الفترة الحالية التي تمر بها منطقة الشرق العربي، وتحديدًا الدول التي تهيمن عليها الأحزاب والمليشيات الموالية لإيران، قد تكون بداية مرحلة تسعى فيها هذه الدول إلى خلع ثوب الهيمنة الذي فرضته تلك المليشيات، واستبداله بشعارات جديدة. ويظهر ذلك، على سبيل المثال، في لبنان، حيث استُبدلت اللوحات التي كانت تحمل شعار “شكرًا إيران” بلوحات وطنية تحمل رسالة تؤكد فرض سيادة الدولة اللبنانية، وتعبر عن الولاء الوطني للبنان فقط، مثل شعار “لبنان أولًا”، إلى جانب علم لبنان والأرزة الخضراء.
وتحمل هذه اللوحات رسالة واضحة مفادها أن لبنان يسعى إلى استعادة مكانته، مع التمني بأن يعود كما كان يُعرف بـ”سويسرا الشرق الأوسط”، وأن يستعيد مكانته التي فقدها بعد الحرب الأهلية، والتي أثرت بصورة كبيرة في موقعه كمركز مالي مهم في الشرق العربي.
وفي الختام، فإن احتمالية التوصل إلى اتفاقية سلام بين إيران وأمريكا قد تفتح الباب أمام لبنان لإبرام اتفاقية سلام مع إسرائيل، وكذلك قد تتيح إمكانية إبرام اتفاقيات سلام أخرى في المنطقة مستقبلًا، إلى جانب النجاح في كبح جماح المليشيات المسلحة الموالية لإيران، والبدء في رسم خارطة جديدة لشرق أوسط جديد، تكون سمته الأساسية استقلالية الجيوش الوطنية، وفرض سيادة الدولة على كامل أراضيها سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا.
ونتمنى أن ينهض هذا الشرق العربي، الذي عانى كثيرًا من الحروب والثورات، ومنها أحداث الربيع العربي التي أنهكت دوله، وأن يشرق من جديد، لما يتميز به من شعوب أصيلة وأبناء يعدون ورثة للحضارات القديمة، وأن يستعيد لبنان مكانته بوصفه عروس الشرق، وأن يسترجع العراق مجده الذي عُرف به منذ حضارة ما بين النهرين.