هانيبعل على الباب… قادم من الأنباط د. حازم قشوع

الشعب نيوز:-

 

بين ضفّتي البحر الأبيض المتوسط، نشأت ذات يوم معادلة صراعٍ كبرى بين قوتين: روما في الشمال، وقرطاج في الجنوب. ولم يكن ذلك الصراع مجرد تنافسٍ عسكري، بل كان صراعًا على طرق التجارة، وموازين النفوذ، ومعنى الهيمنة ذاته. وحين فرضت روما على قرطاج انسحابًا مهينًا من صقلية، وألزمتها بغرامةٍ فادحة قُدّرت بنحو ثمانين طنًا من الفضة، لم يكن ذلك اتفاق إذعان فحسب، بل إعلانًا مبكرًا لاختلال ميزان القوة في المتوسط.

منذ تلك اللحظة، بدأت حركة التجارة تميل، فتراجعت تدفقات الجنوب، وازدهرت الصناعة الرومانية، وراحت روما تصدّر نفوذها قبل سلعها، لتفرض واقعًا جديدًا، تُعاد فيه صياغة مراكز القوة والقرار. كان ذلك الاختلال كفيلًا بإشعال التذمر، وصناعة لحظة تاريخية تنتظر من يقرأها ويعيد تشكيلها.في هذا السياق، برز حنبعل بن برقة؛ القائد الذي لم يرَ في الهزيمة نهاية، بل بداية لمعركةٍ مؤجلة. نشأ على وعدٍ قطعه أمام مذبح العهد: أن يظل عدوًا لروما ما حيّ. لم يكن ذلك قسمًا عاطفيًا، بل مشروعًا استراتيجيًا مكتمل الأركان.

أعاد حنبعل بناء الجيش القرطاجي وفق رؤية غير تقليدية، وابتكر مسارًا لم يخطر على بال خصومه، فعبر البرانس ثم الألب، متحديًا الجغرافيا قبل الجيوش، بجيشٍ قوامه عشرات الآلاف، ترافقه فيلة الحرب، في مشهدٍ بات رمزًا لعبقرية الإرادة حين تتفوق على المستحيل. وحين بلغ تخوم روما، لم يكن يطرق أبوابها فحسب، بل كان يهزّ يقينها.

في معركة كاناي، كتب حنبعل واحدة من أعظم صفحات التكتيك العسكري، حين حوّل الاندفاع الروماني إلى فخٍ محكم، مستخدمًا “الانسحاب التكتيكي” ليطبق كماشةً قاتلة، قلبت موازين المواجهة. ومع ذلك، لم تسقط روما؛ إذ امتلكت ما هو أخطر من القوة: القدرة على الصمود وإعادة البناء.

لكن مسار الحرب لا تحكمه العبقرية وحدها. فقد تلقى حنبعل ضربة قاصمة حين فقد سند أخيه القادم من إسبانيا، في لحظة كشفت هشاشة التحالفات حين تُختبر. وفي المقابل، أعادت روما إنتاج نفسها عبر سكيبيو الإفريقي، الذي نقل المعركة إلى قلب قرطاج، مغيرًا قواعد الاشتباك، وممسكًا بزمام المبادرة.
وهكذا، تحوّل التفوق إلى تراجع، وانتهت المواجهة في زاما لصالح روما، لتبدأ مرحلة أفول قرطاج. أما حنبعل، فقد اختار أن يكتب خاتمته بيده، حين فضّل السم على الوقوع في قبضة خصومه، في مشهدٍ يلخص قسوة السياسة قبل قسوة الحرب. ولم تمضِ سنوات حتى سقطت قرطاج نهائيًا، لتُطوى صفحة قوةٍ كبرى من التاريخ.ومع ذلك، لم يسقط اسم حنبعل. بقي حيًا في الذاكرة، تختصره عبارة خالدة: “حنبعل على الأبواب” — عبارة لم تعد توصيفًا لحدث، بل تحولت إلى رمزٍ دائم للخطر القادم، وللعبقرية التي تهزّ استقرار القوى الكبرى.

وفي قراءةٍ لا تنفصل عن الحاضر، يبدو أن التاريخ لا يكرر نفسه بقدر ما يعيد إنتاج أنماطه. فحين تختل موازين التجارة، وتُعاد صياغة خرائط النفوذ، وتتصارع القوى على طرق الإمداد ومراكز القرار، فإن المشهد—وإن تغيّرت جغرافيته—يحمل ذات الملامح. من شرق المتوسط إلى الخليج، تتشكل خرائط جديدة، تتقدم فيها قوى، وتتراجع أخرى، بينما تقف أطرافٌ ثالثة في منطقة الرماد، تحاول النجاة بين الاصطفافات.
اليوم، لم يعد السؤال: من هو حنبعل؟ بل: أين يقف؟ وعلى أي أبواب يُسمع طرقه؟ وهل نملك القدرة على قراءة الإشارات قبل أن تتحول إلى وقائع؟ أم أننا، كغيرنا في لحظاتٍ سابقة، نكتفي بمتابعة المشهد بعد أن يُحسم؟..

إنها ليست حكاية من الماضي، بل مرآة للحاضر. تذكيرٌ بأن الغفلة عن حركة التاريخ لا تعفي من نتائجه، وأن من لا يقرأ التحولات وهي تتشكل، قد لا يملك ترف فهمها بعد اكتمالها.
فهل بات حنبعل على الأبواب حقًا؟ أم أننا هذه المرة نقف نحن خلف الأبواب، ننتظر طرقًا نعرف صداه… لكننا نتأخر في فهم معناه؟ وأنا في طريقي إلى قرطاج هذه المرة، لا يبدو التاريخ بعيدًا كما نظن… بل يكاد يلامس الحاضر، حين أرى طيف هانيبعل واقفًا على الباب… قادمًا من أرض الأنباط.

قد يعجبك ايضا