
” السكوت على الخطأ… خيانةٌ للقسم ” الدكتور نسيم أبو خضير
الشعب نيوز:-
القسم الدستوري ليس كلماتٍ تُتلى ، بل أمانةٌ تُؤدى ، ومسؤوليةٌ تفرض حماية الوطن ، وصون الدستور ، وعدم السكوت على أي تجاوز أو فساد .
القسم ليس كلمات تُقال ، بل عهدٌ يُسأل عنه صاحبه أمام الله ثم أمام الوطن والملك والتأريخ :
“أقسم بالله العظيم أن أكون مخلصًاً للملك ، وأن أحافظ على الدستور ، وأن أخدم الأمة ، وأقوم بالواجبات الموكولة إليّ بأمانة .”
هذا القسم الذي يؤديه رئيس الوزراء ، والوزراء ، وأعضاء مجلس الأمة ، أوغيرهم ، ليس إجراءً بروتوكولياً يسبق تسلم المنصب ، وإنما هو عهدٌ عظيم ، يبدأ باسم الله ، ويُلزم صاحبه ديناً وضميراً وقانوناً وأخلاقاً .
فالقسم بالله يجعل الإنسان مسؤولاً أمام خالقه قبل أن يكون مسؤولاً أمام الناس ، والإخلاص للملك يعني الإخلاص للدولة ومؤسساتها ، والمحافظة على الدستور ، تعني إحترام أحكامه وعدم الإلتفاف عليها ، وخدمة الأمة تعني تقديم المصلحة العامة على كل مصلحة خاصة ، وأداء الواجبات بأمانة يعني الصدق ، والنزاهة ، والعدل ، وعدم السكوت على الفساد أو التقصير .
ومن مقتضيات هذا القسم أن يكون من يؤديه أميناً على الوطن ، لا على الأشخاص ، وأن يكون ولاؤه للحقيقة والعدل ، لا للمجاملة أو المصالح أو العلاقات الشخصية .
فالأمانة لا تقتصر على أن يمتنع المسؤول عن الخطأ ، بل تشمل أيضاً ألا يسكت إذا رأى خطأً أو تجاوزاً أو إعتداءً على المال العام أو على أمن الدولة أو حقوق المواطنين .
فالسكوت عن الباطل مع القدرة على كشفه أو منعه قد يكون تفريطاً بالأمانة التي أقسم على حملها ، ولايعني ذلك كشفه عبر المجالس والصالونات والمواقع الإلكترونية والسوشال ميديا ، وإنما للجهات المختصة .
وللأسف ، نجد أحياناً من يعرف الأخطاء والتجاوزات ثم يختار الصمت ، حتى إذا إنكشف أمره أو أصبح موضع مساءلة ، بدأ يهدد ويتوعد قائلاً : ” إذا ما بتسكتوا عليّ ، بقول…”. وهنا لاأعني شخصاً بعينه ، وهذه ثقافة لا تليق بمن حمل أمانة المسؤولية .
ولعلها تُذكرنا بما كان يحدث في طفولتنا ، عندما يكسر أحد الإخوة صحنًا أو كأسًا ثم يقول لأخيه : “لا تحكي لأمي .” فيسكت . فإذا أخطأ الأخ الآخر قال له : ” إذا بتحكي عني ، بحكي لأمي إنك إنت اللي كسرت الصحن .” فيسكت الإثنان ، ويظن كل منهما أن الصمت هو طريق النجاة .
لكن الحقيقة أن النجاة لا تكون بإخفاء الخطأ ، بل بمعالجته . وكانت الأم الحكيمة إذا اكتشفت الأمر ، قد تعاتب أو تعاقب من أخفى الحقيقة كما تعاقب من إرتكب الخطأ ، لأن كتمان الحقيقة مشاركة في إستمرار الخطأ .
وكذلك في شؤون الدولة ، فإن من يرى تجاوزاً أو فساداً أو إساءة لإستعمال السلطة ثم يسكت عنها ، وهو قادر على الإبلاغ بالطرق القانونية ، لا يؤدي الأمانة التي أقسم عليها . فالإبلاغ عن الخطأ ليس وشاية ، وإنما حماية للوطن وصونٌ لمؤسساته وحفظٌ لحقوق الناس .
فلنكن جميعاً مع الوطن ، وخلف جلالة الملك ، صادقين في أقوالنا وأعمالنا ، حتى نكون عند حسن ظن القيادة ، ويظل الأردن قوياً بمنعة مؤسساته ونزاهة مسؤوليه ووعي أبنائه . ولنجعل مصلحة الوطن والمواطن فوق كل مصلحة شخصية ، وفوق كل مجاملة أو منفعة عابرة .
فالمناصب زائلة ، والجاه يزول ، ” ولكن الوطن باقٍ بعون الله ” ، ويبقى العمل . وغداً نقف جميعاً بين يدي الله ، ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾. فمن وفّىٰ بقسمه فاز بشرف الدنيا وأجر الآخرة ، ومن خان الأمانة فلن تنفعه الأعذار يوم تُعرض الأعمال على رب العالمين .