في رحيل حمد بن خليفة “الأمير الوالد” د. حازم قشوع

الشعب نيوز:-

 

يُعدّ الأمير حمد بن خليفة آل ثاني المؤسس الفعلي لنهضة قطر التنموية الحديثة، وأحد أبرز صُنّاع التحول في المشهدين السياسي والإعلامي العربي نحو العالمية. فقد شكّل إطلاق قناة الجزيرة نقطة انعطاف فارقة، إذ غدت منصة إعلامية ذات تأثير دولي واسع، وأسهمت في إعادة تشكيل الوعي السياسي والإعلامي على مستوى المنطقة والعالم. كما جاءت شبكة “بي إن سبورت” لاحقًا لتُكمل هذا الحضور، متصدّرةً المشهد في مجال الإعلام الرياضي العالمي.

وعلى صعيد المكانة الدولية، نجح الأمير الوالد في ترسيخ موقع قطر كمحطة رئيسية في تاريخ الأحداث الكبرى، وفي مقدمتها استضافة كأس العالم، لتكون أول دولة عربية تنال هذا الشرف، في إنجاز تاريخي أعاد رسم صورة المنطقة على خارطة الفعل الدولي.

أما في السياسة الخارجية، فقد انتهجت قطر في عهده مسارًا مغايرًا، قائمًا على صياغة دور دبلوماسي نشط، يستند إلى بناء التوافقات من داخل التناقضات، وإلى القدرة على الاحتواء وتدوير الزوايا. وهو نهج منح الدبلوماسية القطرية هوية خاصة، تقوم على الفعل والتأثير، لا مجرد التفاعل، وأسّس لحضور سياسي مرن وقادر على التكيّف مع تعقيدات المشهد الدولي.

ولعل لقب “الأمير الوالد” الذي استحقه بجدارة، جاء تجسيدًا لرؤيته الثاقبة في إعداد جيل القيادة، حين آمن بقدرة نجله الشيخ تميم بن حمد على مواصلة المسيرة، فعمل على تأهيله وصقله وإعداده بعناية، قبل أن يسلمه راية الحكم في خطوة نادرة في العالم العربي. وقد أثبتت هذه الرؤية صوابها، إذ استطاع سمو الشيخ تميم أن يُرسّخ مكانة قطر ويواصل بناء نموذجها التنموي والسياسي على المستويين الإقليمي والدولي.

إن تجربة الأمير حمد بن خليفة تمثل نموذجًا في التحول القيادي القائم على الرؤية والاستشراف، وعلى القدرة في صناعة الفارق، ليس فقط داخل حدود الدولة، بل في امتدادها وتأثيرها في محيطها العربي والدولي، وهو ما يجعل إرثه حاضرًا في مسيرة قطر ومستقبلها.

وقبل ذلك، لا يمكن قراءة متانة العلاقات الأردنية–القطرية دون الوقوف عند عمق الروابط التي جمعت جلالة الملك عبدالله الثاني مع الأمير الوالد لدولة قطر سمو حمد بن خليفة آل ثاني، والتي أسست لمرحلة من الثقة والتفاهم الاستراتيجي بين البلدين. تلك العلاقة التي قامت على الاحترام المتبادل والرؤية المشتركة لدور الدولة العربية في محيطها، انتقلت بسلاسة إلى عهد سمو تميم بن حمد آل ثاني، لتُستكمل بروحٍ شبابيةٍ متجددة، عززت من حضور التنسيق السياسي والتعاون الاقتصادي، ورسّخت نهجًا قوامه الحوار والتكامل في مواجهة تحديات الإقليم وتعقيداته.

وفي المحصلة، فإن العلاقات الأردنية–القطرية لم تكن يومًا وليدة ظرفٍ عابر، بل هي نتاج إرثٍ من الثقة المتراكمة، وإرادةٍ سياسية واعية تُدرك أن قوة الحاضر تُبنى على ثوابتٍ راسخة من الأخوّة والتفاهم. ومع استمرار هذا النهج، تمضي هذه العلاقة نحو آفاقٍ أوسع، تُترجمها شراكات حقيقية ومواقف منسجمة، بما يخدم مصالح الشعبين ويعزز من استقرار المنطقة، في زمنٍ أحوج ما يكون فيه العرب إلى نماذج تعاونٍ تُعيد صياغة الفعل العربي على أسسٍ من الوحدة والتكامل.

في ختام هذا المقام، نتوجّه إلى دولة قطر الشقيقة، قيادةً وشعبًا، بأصدق مشاعر العزاء والمواساة في هذا المصاب الجلل، سائلين الله أن يتغمّد الفقيد بواسع رحمته، وأن يُلهم أهله وذويه والشعب القطري الصبر والسلوان.

ويؤكد الديوان الملكي الهاشمي، بإعلانه الحداد لمدة أربعة أيام، عمق الروابط الأخوية التي تجمع البلدين الشقيقين، وتجذّر نهج التضامن الصادق في السراء والضراء. كما تعكس هذه الخطوة ما يربط جلالة الملك عبدالله الثاني بأخيه سمو تميم بن حمد آل ثاني من علاقةٍ وثيقة تقوم على الثقة والاحترام ووحدة الموقف…رحم الله الفقيد، وحفظ قطر وأهلها، وأدام عليها نعمة الأمن والاستقرار.

قد يعجبك ايضا