
عن دار فضاءات للنشر والتوزيع -عمان صدر كتاب “ظاهرة القرأنة تأسيس للمصطلح ودراسة تطبيقية”
الشعب نيوز:-
د. مهى عبد القادر المبيضين
صدر عن دار فضاءات للنشر والتوزيع كتاب “ظاهرة القرأنة، تأسيس للمصطلح ودراسة تطبيقية”
للدكتورة مهى عبد القادر المبيضين وقد جاء الكتاب في 258 صفحة من القطع الكبير.
تعمد الباحثة والناقدة د. مهى المبيضين في كتابها المعنون “ظاهرة القرأنة؛ تأسيس للمصطلح ودراسة تطبيقية” إلى استحداث مصطلح “القرأنة الشعرية”، للدلالة على الاعتماد الكبير لشعراء صدر الإسلام والمخضرمين ومن تلاهم على الألفاظ القرآنية بمعانيها الجديدة والمستحدثة، وتركيزهم على استخدام العبارات والآيات القرآنية في نصوصهم، ومحاولاتهم الحثيثة تكرار هذه الاستخدامات في جلِّ قصائدهم، وتكمن أهمية الكتاب في اجتراح مصطلح خاص لاستخدام القرآن الكريم في الشعر لما لذلك من دور في رسوخه في الأنفس، وثباته في الظاهرة الثقافية الأدبية في مراحل مبكرة من الدعوة، واضمحلال الجزء الأكبر من شرائح القصيدة الجاهلية وتحولها إلى نصوص شعرية تثبت الدين وتعمق الرسوخ الإيماني والعقائدي من خلال شعر يتفق مع معاني الإسلام والقرآن، وهو ما يشكّل بديلاً عن مصطلح “التناص” الذي يفيد بالأخذ من مرجعيات متعددة في حين يعمل مصطلح “القرأنة الشعرية” على إحالة الشعر إلى نصّ واحد وهو “القرآن الكريم” ليشكل مركزية أساسية في النص الشعري أو الأدبي.
وتتجه الباحثة المبيضين في كتابها الصادر عن “دار فضاءات” في الأردن (2026)، إلى تتبّع استخدام شعراء صدر الإسلام ومن تلاهم، للألفاظ القرآنية بمعانيها القديمة والمستحدثة، واستلهامهم الآيات القرآنية في نصوصهم، تجاوزاً لما يطلق عليه اصطلاحاً “التناص القرآني”، ومن هنا يأتي مصطلح “قرأنة النصوص الشعرية” -الذي اعتمدته في هذا الكتاب- ليثبت استخدامه خارج أطر العبادة داخل المسجد، بل في الفنون المتعددة، ولعل المشكلة الأبرز التي واجهت الباحثة هي “نحت” مصطلح يخرج عن إطار الدراسات التقليدية لـ”التناص القرآني” في الشعر العربي، فالمسألة فيما يخصّ شعر صدر الإسلام، تتجاوز مصطلح “التناص” المتعارف عليه في الأدبيات النقدية اللاحقة؛ إذ إنَّ التأثر كان أوضح وأعمق، ويستند إلى مرجعية واحدة هي القرآن الكريم، وهو ما اقتضى منها عقد مقارنة بين المعاني التي كانت شائعة لكثير من الألفاظ قبل ظهور الإسلام، وما آلت إليه من دلالات جديدة أوجدها القرآن الكريم، وأضفى عليها في أحيان كثيرة هالة من القدسية، جعلت تفكيكها وتحليلها عملية معقدة، ما استدعى بدوره الغوص عميقاً في المصادر القديمة والمراجع لِتَتبّع أثر الدلالات والتحولات التي طرأت عليها؛ والرجوع إلى القرآن الكريم لتبيّن موقعها فيه ودلالاتها، وصولاً إلى الصورة التي استخدمت فيها.
وقد اعتمدت الباحثة المبيضين في كتابها على المنهج الوصفي التحليلي؛ إذ يعدّ من أهم المناهج في الدراسات الأدبية، كونه مبنياً على التحليل والتفسير والتركيب والاستنتاج، ويتعمق في أدقّ تفاصيل الموضوع المدروس، بهدف الوصول إلى تفسيرات منطقية وتقديم دلائل وبراهين تمكّن من وضع أطر محددة للمشكلة، والوصول إلى نتائج فعالة ومهمة تُظهر أهمية اجتراح مصطلح خاص يربط بين استخدام الشعراء للنص القرآني، وبين استخدامهم مرجعيات نصية أخرى في أشعارهم.
تبدأ المؤلفة كتابها بعرض مفاهيمي لمصطلح القرأنة، وبيان الجذر اللغوي والمعنى الاصطلاحي لكلمة “قرأنة”، ومن ثمّ شرح معنى الخضرمة، ومزية الشعر المخضرم عمّا سواه من الشعر الجاهلي، واستعراض شعراء النبي ودورهم في مواجهة شعراء قريش في بدايات الدعوة، ثم انتقلت إلى عرض تفصيلي لمواقف الإسلام والنبي ﷺ والخلفاء الراشدين من الشعر، وتأثر الشعراء المخضرمين بالإسلام. وفي الفصل التالي طبّقت الباحثة مفهوم “القرأنة” على الموضوعات الشعرية المختلفة عند المخضرمين من “المديح والافتخار، والهجاء، والرثاء، والحكمة” مع أمثلة تطبيقية واضحة ومشروحة.
وأبرزت الباحثة المبيضين الأثر العميق للقرأنة في شعر حروب الردة، وشعر الفتوح، وشعر الغزل، ثم انتقلت إلى دراسة البناء الفني للقصيدة في شعر صدر الإسلام وقرأنة ألفاظها، مستعرضة عدداً من الألفاظ المستخدمة مثل: “الله، الربّ، القرآن، الجنة وصفاتها، النار وصفاتها، والكفر والملائكة، والصلاة” وتغير دلالاتها بظهور الإسلام.
وخلصت الباحثة المبيضين في خاتمة الكتاب إلى أنَّ التأثُّر بالقرآن الكريم تجسَّد في مستوياتٍ متعدِّدة من الشِّعر، شملت المعجم القرآني، والتراكيب، والأساليب البلاغية، واستدعاء القِيَم والمفاهيم الإسلاميّة، مع ملاحظة تفاوت هذا التأثير من شاعر إلى آخرَ بحَسَبِ درجة تفاعُله مع النصِّ القرآني. وكلُّ هذا جاء في فترة فارقةٍ من تاريخ الأدب والشِّعر العربي، كما أثبتت هيمنةُ النَّصّ القرآنيِّ على الحِسِّ الشِّعري عند الشعراء المخضرمين ومن تلاهم، الأمر الذي انعكس على الأغراض الشِّعرية من خلال تنوُّع الأساليب واستحضار التعابير والأساليب القرآنية، وتوجيه معاني الشعر ومضامينه وأغراضه نحو قِيمٍ جديدة لم تكن مألوفة بشكل جليّ، كالتَّوحيد، والجهاد، وأبرزت الباحثة التسلسل في مراحل تطوُّر ظاهرة القرأنة عند الشعراء المخضرمين، من بداياتٍ عفويةٍ إلى وعيٍّ فنيٍّ ناضجٍ
ويشكل هذا الكتاب إضافة نوعية ومميزة تسهم في إثراء المشهد النقدي والأكاديمي من خلال تسجيل مصطلح نقدي جديد على الساحة النقدية العالمية وهو “القرأنة الشعرية الأدبية”، لتفتح هذه الدراسة الباب لدراسات عدة عبر مصطلح جديد يستقي معناه من القرآن، ويشكل خصوصية تضيف إلى “التناص” معنى تنظيرياً جديداً.