ما بين الصورتين.. سعيد ذياب سليم

الشعب نيوز:-

 

غابت الشمس، وسطعت في الشوارع من حوله المصابيح، ولوحات الدعاية، ومصادر الضوء المتناثرة، وهو يجلس خلف مقود سيارته. دار حول الدوار مرتين، محاولًا ضبط المسافات وتحديد الاتجاه الذي سيسلكه.
كان ينظر أمامه محدقًا في الطريق، ثم يغلق عينيه هنيهة، ويرمش مرات متتالية، ثم ينظر مضيّقا عينيه محاولًا أن يستعيد وضوح الأشياء، لكن ازدواج الرؤية لم يغادره.
اهتدى أخيرًا إلى أن ينظر بعين واحدة، ثم شق طريقه خارج الدوار في اتجاه الصالة التي سيلتقي فيها بأصدقائه.
واجه صعوبة في الوصول إليهم. حيّاهم وجلس بينهم مضطربًا، يتبادل معهم الأحاديث دون حماس، ولم يستطع التركيز فيما يطرحونه من موضوعات. كان الألم يثقل عينيه، ويشتد في الجهة اليمنى من وجهه، حول منطقة الجيوب الأنفية، يشغله عن كل ما عدا ذلك. جلس معهم دقائق، ثم انسحب معتذرًا لشعوره بالتعب.
وكانت عودته إلى البيت مغامرة أخرى.
بدّل ملابسه، واستحم، ثم جلس يسترخي بين أفراد أسرته.
عادت به الذاكرة إلى الأشهر الثلاثة الأخيرة؛ إلى رحلة عمل شاقة كان قد عاد منها وما زال يعاني من آثارها.
انتبهت زوجته إلى شحوب وجهه وشروده، فخاطبته:
— ما لك؟
— هه!
— ماذا بك؟ شارد الذهن… هل من مشكلة؟
— يبدو أنني مرهق.
— هل تشعر بشيء معيّن؟
— لا شيء مهم… فقط اضطراب في الرؤية.
— وما الذي يقلقك إذن؟
— ازدواج في الرؤية، وآلام في العينين والوجه.
— بسيطة… لنزر العيادة غدًا.
اطمأن لحديث زوجته، وأراحته فكرة زيارة الطبيب. أراد أن يصدق أنها مسألة إرهاق عابر، أو التهاب بسيط في الجيوب، وأنه سيعود بعد يوم أو يومين إلى حياته كما كانت.
لكن في الصباح، حين وقف أمام المرآة يتفحص وجهه، لم يجد ما يطمئنه.
لاحظ احمرارًا حول عينه اليمنى، وتورمًا في الجهة اليمنى من وجهه قرب الأنف. ثم انتبه إلى رائحة غريبة لم يعرف مصدرها، وإلى إفرازات تسيل من أنفه بلون لم يألفه.
نظرت إليه زوجته طويلًا، ثم قالت:
— لن ننتظر موعد العيادة… هيا إلى المستشفى.
قادت السيارة بنفسها إلى المستشفى القريب. دخلا قسم الطوارئ، فاستقبلهما فريق من الأطباء والممرضين، تبدو عليهم سمات الأناقة والهدوء، حتى خُيّل إليه أنه دخل جناحًا فندقيًا طلبًا للراحة والاستجمام، لا قسمًا للطوارئ.
وسط ذلك الجو من الضيافة والاستقبال الحسن، بدأت رحلة الكشف.
توالت الأسئلة حول تاريخه الطبي: الأمراض التي أصيب بها، والأدوية التي يتناولها، وما إذا كان يعاني من السكري أو من أمراض مزمنة أخرى. سأله الطبيب متى بدأ ازدواج الرؤية، وكيف تطور الألم، وما إذا كان يشتد في أوقات معينة.
ثم اقترب منه، وأخذ يضغط برفق في نقاط متفرقة من وجهه، عند الخد وقرب الأنف وفوق الحاجب، بينما يراقب تعابير وجهه.
وكان رجلنا، كلما ضغط الطبيب في موضع، ينتظر أن يقول له ببساطة:
— التهاب في الجيوب… لا تقلق.
لكن الطبيب ظل صامتًا.
تحدث هاتفياً مع زميل آخر، مستخدمًا مصطلحات طبية لم يفهم منها شيئًا.
وبعد قليل حضر طبيب آخر. جلس قبالته، حيّاه بمرح، ثم باشر فحصه.
رفع إصبعًا أمام وجهه وقال:
— الآن، تابع حركة إصبعي.
حرّك إصبعه ببطء إلى اليمين، ثم إلى اليسار، وإلى أعلى وأسفل، بينما كان يتابع حركة عيني مريضه، متوقفًا قليلًا عند كل اتجاه، كأنه يبحث عن حركة تتأخر عن أختها أو تعجز عن اللحاق بها.
ثم اصطحبه أحد أفراد الفريق الطبي إلى غرفة فحص مجاورة.
أُجري له فحص بمنظار أنفي، بينما كان المختص يتابع ما يظهر على شاشة أمامه. لم يكن الرجل يرى إلا جزءًا من الشاشة، لكنه لاحظ أن ملامح الطبيب تبدلت قليلًا وهو يتفحص ما في داخل الأنف.
عاد بعد ذلك إلى غرفة الفحص الرئيسية، حيث كان أحد الأطباء يتفحص نتائج الفحص على شاشة حاسوبه.
ثم خاطبه وزوجته:
— سنجري لك تصويرًا طبقيًا محوسبًا للجيوب الأنفية ومحجري العين.
جيء بكرسي ذي عجلات، جلس عليه، واقتيد إلى قسم الأشعة.
ومع كل لحظة تمر، كان توتره يزداد. ولم تعد زوجته تجد الكلمات المناسبة، فاكتفت بأن تبادله ابتسامة مشجعة كلما التفت إليها.
بعد انتهاء التصوير، جلسا في غرفة الطبيب، وكان يتفحص الصور على شاشته.
رفع الطبيب رأسه وقال:
— هناك امتلاء والتهاب شديد في الجيوب الأنفية في الجهة اليمنى، لكننا نرى أيضًا منطقة غير طبيعية داخل أحد الجيوب، مع تغيرات في العظم المجاور.
تبادلت الزوجة وزوجها نظرة سريعة.
وأضاف الطبيب:
— أريد أن نحدد طبيعة هذه المنطقة بدقة. بعض هذه التغيرات قد تحدث في التهابات مزمنة، وقد تنتج عن أسباب أخرى، لكن وجود أعراض في العين يجعلنا نتعامل مع الأمر بجدية أكبر.
سألته زوجته:
— أليست الحالة التهاب جيوب أنفية؟
— يوجد بالفعل التهاب في الجيوب، لكن التهاب الجيوب وحده لا يفسر كل ما نراه. نحتاج إلى استكمال الفحوص، وربما أخذ عينة من النسيج داخل الجيب وفحصها في المختبر.
— عينة؟
— نعم، قد نحتاج إلى خزعة. نريد أن نعرف بالضبط طبيعة الكتلة أو النسيج غير الطبيعي، وما إذا كان هناك التهاب فطري، وهل بقي داخل الجيب أم بدأ يغزو الأنسجة المحيطة.
صمت لحظة، ثم أضاف:
— بعد استكمال هذه الفحوص، ستتضح لنا الخطوة التالية والعلاج المناسب.
— والآن؟ سألت الزوجة.
— سنجري أولًا تصويرًا بالرنين المغناطيسي للمنطقة، لنعرف مدى امتداد الإصابة، ثم نأخذ عينة من النسيج المشتبه به لفحصها.
— وهل ستعرفون منها ما الذي أصابه؟
— هذا ما نأمله. سيفحص المختبر العينة تحت المجهر، وسترسل أيضًا إلى الزراعة وفحوص أخرى إذا لزم الأمر. نريد أن نعرف إن كان هناك فطر، وهل غزا الأنسجة، وما نوعه.
بعد ساعات طويلة تنقّل خلالها بين غرف الفحص والمختبرات، أوصى الطبيب ببقائه في المستشفى تحت المراقبة، إلى أن تكتمل الفحوص وتتضح الصورة.
خرجت زوجته لتعود إلى البيت وتحضر له ما يحتاج إليه أثناء إقامته في المستشفى.
وبينما كان ينتظر، كانت النتائج تصل تباعًا.
أظهر الرنين المغناطيسي أن الإصابة قد امتدت من الجيوب إلى الأنسجة المحيطة بمحجر العين، لكنها، لحسن الحظ، لم تصل إلى الدماغ أو إلى مناطق أعمق.
أما فحص العينة، فقد أكد وجود فطريات غازية داخل الأنسجة.
عندئذ لم يعد الأمر يحتمل الانتظار.
قرر الأطباء إجراء عملية لتنظيف الجيوب وإزالة الأنسجة المتضررة، وأخذ عينات إضافية عند الحاجة. وفي الوقت نفسه بدأ علاجه بمضاد فطري وريدي، قبل أن تساعد نتائج الزراعة والفحوص الأخرى في تحديد نوع الفطر بدقة واختيار العلاج الأنسب له.
وبينما كان المخدر يسري في جسده، وقبل أن تنطفئ آخر صورة أمام عينيه، شعر بالخوف. كان يخشى أن يستيقظ من العملية فلا يرى بعينه كما كان يرى من قبل.
لكن الأيام التالية حملت إليه ما لم يكن يتوقعه. أخذ الألم يخف تدريجيًا، وانحسر التورم، ثم بدأت الصورتان اللتان ظلتا تتنازعان أمام عينيه تقتربان من بعضهما، حتى عادت الصورتان تلتئمان أمام عينيه في صورة واحدة.
خرج صاحبنا من المستشفى بعد أيام قليلة، غير مصدق أنه عاد ينظر إلى العالم بعينيه من دون أن يضطر إلى إغلاق إحداهما.
ومنذ ذلك اليوم، كلما جلس بين أصدقائه أو أفراد أسرته، وجد نفسه يعود إلى حكايته.
يتحدث عن أشياء دقيقة تملأ الهواء من حولنا؛ عن أبواغ لا تُرى بالعين المجردة، تحملها الرياح، فتدخل الجسم مع الهواء الذي نتنفسه. وفي معظم الأحيان تمرّ من دون أن نشعر بها، لكن بعضها قد يجد، في ظروف معينة، بيئة تسمح له بالنمو والغزو، فيمتد إلى أماكن حساسة ويشكل خطرًا قد يهدد الحياة.
ويتحدث كمن عاد من رحلة بعيدة، نجا خلالها من صراع مع البحر ومخلوقاته الأسطورية.
ثم يضيف، وقد صارت كلماته هذه المرة أكثر جدية:
— لا تتجاهلوا ما تلاحظونه من تغيرات… خصوصًا حين يقرر شيء صغير، لا تراه العين، أن يترك أثرًا كبيرًا.
سعيد ذياب سليم

قد يعجبك ايضا