
مزارعو الأغوار الجنوبية يحرسون الأمن الغذائي عبدالله موسى الطراونة.
الشعب نيوز:-
الأغوار الجنوبية ليست مجرد منطقة زراعية، فهي في الحقيقة أكثر من ذلك بكثير؛ إنها من اهم ركائز الأمن الغذائي الأردني، حيث تواصل العطاء والانتاج عندما تتوقف معظم الأراضي الزراعية الأخرى عن تلبيةإنتاج المحاصيل التي تنتجها هذه الارض
ففي الوقت الذي يدخل فيه الشتاء ويفرض برودته على معظم مناطق المملكة، وتتوقف زراعة الكثير من المحاصيل بسبب الصقيع وانخفاض درجات الحرارة، تستيقظ الأغوار الجنوبية واهل الاغوار الجنوبية كل صباح لاعلان موسم جديد من الإنتاج.
هناك في الاغوار الجنوبية، حيث تنضج البندورة والبصل والثوم، ويثمر الباذنجان والفلفل والفول حيث لا ينضج في أماكن أخرى بسبب ظروف الطقس في تلك الاماكن، تتجه هذه المحاصيل إلى الأسواق الأردنية والعربية، محافظة على استقرار الإمدادات، ومخفضة من ارتفاع الأسعار، ومؤكدة أن هذه القطعة من الوطن ليست مجرد أرض زراعية، بل شريان حياة يمتد أثره إلى كل بيت في المملكة .
لم يكن تميز أراضي الاغوار الجنوبية وليد الصدفة، بل هو نتاج منظومة طبيعية نادرة، اجتمع فيها المناخ الدافئ مع التربة الخصبة والايدي العاملة وتوفر المياه والخبرة الزراعية المتراكمة عبر عشرات السنين. وهذه المزايا لا يمكن نقلها أو استنساخها في أي موقع او مكان آخر، ولذلك فإن خسارة او منع او وقف زراعة أي جزء من الأراضي الزراعية الخصبة في الأغوار الجنوبية ليست خسارة للمزارعين واهل الاغوار الجنوبية، وإنما هي خسارة وطنية يصعب تعويضها.
أهل الأغوار الجنوبية ومزارعيها على اختلاف مواقعهم لم يتجهوا لاختيار الطريق السهل لتامين مصدر لرزقهم ودخلهم، بل اختاروا البقاء في أرضهم لزراعتها، ومواجهة حرارة الصيف اللاهبة، والعمل لساعات طويلة في الحقول، ليبقى الغذاء متوفرًا على موائد الأردنيين. الزراعة بالنسبة لأهلنا في الاغوار الجنوبية ليست وظيفة تنتهي مع نهاية الدوام، بل حياة كاملة تبدأ قبل شروق الشمس ولا تنتهي إلا بعد غروبها.
هناك واثناء مرورنا من الاغوار الجنوبية مسرعين بسبب حرارة الجو ترى الأب والأم، والابن والابنة، جميعهم يعملون في الحقل ذاته في عز الظهيرة ، يحملون همّ الموسم، ويواجهون تقلبات الطقس، وارتفاع كلف الإنتاج، وتقلبات الأسواق، لكنهم لا يغادرون أرضهم، لأنها بالنسبة لهم هوية وانتماء ورسالة قبل أن تكون مصدر رزق.
أي اقتطاع من الأراضي الصالحة للزراعة، أو تغيير استخداماتها، أو تقليص مساحاتها المنتجة، يعني ببساطة تقليص القدرة على إنتاج الغذاء وتوفير المحاصيل المطلوبة في أهم مواسم العام. وهذا يعني ايضا انخفاض كميات الخضروات في الأسواق في امس أوقات حاجتها، وبالتالي ارتفاع الأسعارعلى المواطنين، والتوجه الى الاستيراد، في وقت تتجه فيه دول العالم إلى حماية أراضيها الزراعية وتعزيز أمنها الغذائي، لا إلى التفريط به.
لقد أثبتت الأزمات العالمية، خلال الازمات والجوائح والحروب، أن الدولة التي لا تنتج غذاءها تبقى رهينة للأسواق الخارجية وتقلباتها. ومن هنا، فإن الأغوار الجنوبية ليست قضية تخص أبناء المنطقة وحدهم، بل قضية تمس كل أردني، لأنها تمثل إحدى أهم ركائز الأمن الغذائي الوطني.
ومن الواجب أن تعامل الأراضي الزراعية الخصبة الصالحة للزراعة في الأغوار الجنوبية باعتبارها منطقة ذات أولوية وطنية، تُحمى ويُدعم مزارعوها، وتُطور بنيتها التحتية، وتُعزز فيها مشاريع التصنيع الزراعي والتخزين والتسويق، حتى تبقى قادرة على أداء دورها التاريخي في إطعام الأردن.
وهنا لا بد من توجيه كلمة تقدير ووفاء إلى سيدة الاغوار الجنوبية المزارعة نبيلة الحشوش التي قالت هذه أراضينا وأراضي أجدادنا… ووقفت موقف وطني مشرف، وجهدها كان صادقا، وغيرتها بدت حقيقية على أراضي الأغوار الجنوبية وحقوق أهلها. وقفت بكل شجاعة وكانت حاضرة ومحضرة درسها جيدا للدفاع عن حق المزارعين مام وسائل الإعلام والمنابر المختلفة، عرض القضية بكل اقتدار ومعرفة ودافعت بكل الوسائل والحجج والبراهين مدركة أن الدفاع عن الأرض ليس دفاعًا عن ملكية خاصة، بل عن مصدر رزق آلاف الأسر، وعن الأمن الغذائي للأردن بأكمله. كان دفاعها مستميتا وصوتها صادقًا، خرج من قلب الميدان ومن معاناة المزارعين، فوصل إلى كل من استمع إليه.
كما ولا بد أيضا الإشادة بكل سيدة ساندت هذه القضية بإخلاص، ووقفت الى جانب سيدة الاغوار الجنوبية رغم أنها ليست من أبناء الأغوار الجنوبية. حيث أكدت بموقفها أن القضايا الوطنية لا تعرف حدودًا جغرافية، وأن حماية الأرض الزراعية مسؤولية يتشارك فيها كل من يؤمن بمستقبل الأردن وأمنه الغذائي.
هذين الموقفين يبعثان برسالة وطنية عميقة؛ مفادها أن الدفاع عن الأراضي الزراعية في الأغوار الجنوبية ليس دفاعًا عن منطقة بعينها، بل عن مصلحة وطنية عليا، لأن هذه الأرض ليست مجرد حقول زراعية، وإنما ركيزة من ركائز الأمن الغذائي الأردني، وثروة وطنية لا يجوز التفريط بها.
وسيبقى الحفاظ على الأغوار الجنوبية منطقةً زراعيةً منتجة مسؤولية وطنية تقع على عاتق الجميع، لأنها ليست إرثًا لأبناء الأغوار وحدهم، بل أمانة في أعناقنا جميعًا، وحق للأجيال القادمة في أن تجد أرضًا تنبت الخير، ووطنًا قادرًا على إنتاج غذائه بيد أبنائه.