
سِراج الحصّادين عاطف أبو حجر
الشعب نيوز:-
بين سنابل القمح وأهازيج الحصّادين، وُلدت أجمل حكايات الريف، وبقي سِراج الحصّادين شاهدًا على زمنٍ لا يُنسى.
كان الصيف قديمًا يحمل معه وهجًا لا تُطفئه إلا نسمةٌ تتسلّل فوق السهول، فترتجف تحتها سنابل القمح الذهبية، كأنها أشرعةٌ صغيرة تستعد للإبحار نحو موسم الخير. وفي بطون تلك السنابل تختبئ حياةٌ صغيرة؛ عشُّ قُبرة، أو عشُّ عروس التركمان، أو عشُّ حجلٍ يستظلّ بخيوط القمح.
وعلى امتداد سهول بطنا، وأم زيتونة، وزغيب، ومغاريب السلط، يتجلّى مشهدٌ لا يُنسى؛ سكينة الأرض، وذهب السنابل، وهمس الهواء، وأنوار سِراج الحصّادين تتلألأ بين عيدان القمح كنجومٍ هبطت ليلًا لترافق الفلاحين في موسمٍ ما زال حيًّا في الذاكرة.
هناك، في الموارس والتلال والقطاعيات، تبدأ الحكاية كل عام مع اشتداد القيظ وحلول موسم الحصاد، حيث يجتمع الأهالي منذ الفجر، رجالًا ونساءً وصبيةً، استعدادًا لموسمٍ لم يكن مجرد عمل، بل مناسبةً اجتماعية توثّق صلة الإنسان بأرضه، وتجسّد قيم التعاون والعونة التي عُرف بها أهل الريف.
يبدأ العمل مع الصباح الباكر بعد تجهيز أدوات الحصاد؛ المنجل، والحاشوشة، والـكالوشة، والشاعوب، والمذراة الخشبية تُستخدم لاحقًا لفصل الحبوب عن التبن.
أما البيدر، فكان له طقوسه الخاصة. فإذا كان ترابيًا داخل المارس، سُوّيت أرضه، وأُزيلت منها الحجارة، ثم نُثر عليها التبن، ورُشّت بالماء، ودُحرج فوقها حجرٌ أسطواني حتى تشتدّ أرضه. وإن كان صخريًا، يُكنس بعناية، ويُرشّ بالماء استعدادًا للدراس.
ثم تبدأ الحصيدة، فتصدح المناجل وهي تشق السنابل الذهبية، وتعلو أصوات الحصّادين بالأهازيج التي تخفف عناء العمل وتزيده بهجة. ومن أشهرها:
«منجلي يا منجلي….»
كانت تلك الأهازيج عنوانًا للمحبة والعمل الجماعي، وصدىً لروح الفزعة التي جعلت موسم الحصاد مناسبةً يشارك فيها الجميع.
تُجمع السنابل على شكل شِمال، ثم تُرصّ في غُمور، وبعدها تُحمّل على القادم الخشبي في رحلة الرَّجد إلى البيدر، حيث تبدأ مرحلة الدراس. وهناك تدور الدراسة خلف الجرار، فتتفتت السنابل، ثم تتولى المذراة فصل الحبوب عن التبن، فيتطاير القمح مع نسيم الفجر أو العصر، وتُعبّأ الحبوب في الشوالات المخططة بالأحمر، بينما يُجمع التبن في شلفان كبيرة، لينتقل بعدها إلى بيوت المدينة.
وفي تلك الأثناء، كانت الجدّات والأمهات يجمعن القش، ليصنعن منه الطباق، والقبع، والجونات، فتخرج من بين أيديهن مصنوعاتٌ تراثية جميلة تجمع بين الحاجة اليومية وإبداع المرأة الريفية، وتحفظ ذاكرة المكان.
ولليل حكايةٌ أخرى…
فحين تهدأ الحركة، وتتوقف المناجل، ويغمر ضوء القمر الحقول، تلمع أنوار سِراج الحصّادين؛ تلك الحشرات الصغيرة التي تتوهج بين عيدان القمح كأنها فوانيس دقيقة، فتمنح السهول سحرًا خاصًا، وتترك في الذاكرة صورةً لا تغيب.
لم يكن الحصاد قديمًا موسمًا لجمع القمح فحسب، بل كان موسمًا للمحبة، والتكافل، والفرح، ولقاء الناس على تعبٍ واحد وأملٍ واحد. كانت الأرض تجمعهم كما تجمع السنابل حباتها، وكانت السنابل، بعد عامٍ كامل من الصبر، تردّ لهم الجميل خيرًا وبركة.
تلك الأيام لم تكن مجرد ذكريات، بل صفحاتٌ مضيئة من حياة الريف الأردني، تستحق أن تُروى للأجيال؛ لأنها تحكي قصة الإنسان والأرض، والعمل والأمل، والوطن الذي كان ينبت في كل سنبلة قمح.
رحل ذلك الزمن، لكن عبق السنابل، وأهازيج الحصّادين، وضوء سِراج الحصّادين ما زالت تسكن الذاكرة، شاهدةً على أيامٍ كان فيها الإنسان أقرب إلى الأرض، وكانت الأرض أقرب إلى القلب.