
الملكة رانيا ثلاثة عقود من العطاء صنعت حضوراً أردنياً مؤثراً
الشعب نيوز:-
الملكة رانيا ثلاثة عقود من العطاء صنعت حضوراً أردنياً مؤثراً
محمد حافظ الخصاونة
ثلاثة عقود وأكثر من العمل العام، كرّست خلالها جلالة الملكة رانيا العبدالله حضوراً إنسانياً وتنموياً وإعلامياً مؤثراً، جعل من قضايا الإنسان محوراً لرسالتها، ومن التعليم والتمكين وحماية الطفولة والأسرة ركائز أساسية في مسيرتها، ومن حضورها الدولي إحدى أدوات القوة الناعمة للأردن.
ومنذ اقترانها بجلالة الملك عبدالله الثاني عام 1993، تجاوز حضور جلالتها الدور البروتوكولي التقليدي، وانفتح على قضايا المجتمع وتحدياته، لتضع الإنسان في قلب عملها، وتنقل اهتمامها بالتعليم والطفولة والأسرة والمرأة والشباب من مساحة الاهتمام إلى العمل المؤسسي والمبادرات المستدامة.
وهنا تكمن خصوصية تجربتها؛ فهي لم تبنِ حضورها على كثافة الظهور، وإنما على فكرة واضحة ورسالة مستمرة وأدوات مؤسسية. فالتعليم بالنسبة لجلالتها لم يكن ملفاً اجتماعياً عابراً، بل استثماراً استراتيجياً في مستقبل الأردن، والطفولة ليست قضية رعاية فحسب، وإنما أساس بناء الإنسان، وتمكين المرأة ليس شعاراً، بل ركيزة في بناء الأسرة والمجتمع والاقتصاد.
ومن هذه الرؤية، جاءت سلسلة من المبادرات والمؤسسات التي حملت اسم جلالتها أو ارتبطت برؤيتها، وفي مقدمتها مؤسسة الملكة رانيا للتعليم والتنمية، وأكاديمية الملكة رانيا لتدريب المعلمين، ومبادرة “مدرستي”، وجائزة الملكة رانيا للتميز في التعليم، ومنصة “إدراك” للتعلم العربي المفتوح، وغيرها من المبادرات التي عززت حضور التعليم والمعرفة والمهارات في مسار التنمية الوطنية.
لكن الأهم أن تجربة جلالة الملكة لم تتوقف عند تأسيس المبادرات، بل امتدت إلى التأثير في النقاش العام حول قضايا الإنسان، مستفيدة من حضورها الإعلامي والدولي. فقد أصبحت جلالتها صوتاً أردنياً بارزاً في الدفاع عن حق الأطفال في التعليم، وقضايا اللاجئين والنساء والفئات الأكثر هشاشة، وأسهمت في نقل هذه القضايا من نطاقها المحلي إلى فضاء الاهتمام العالمي.
وهذا الحضور الدولي يحمل قيمة سياسية وإعلامية للأردن؛ فالقوة الناعمة للدول لا تُبنى بالسياسة الخارجية والاقتصاد والدبلوماسية وحدها، وإنما أيضاً بالشخصيات القادرة على إيصال صورة الدولة وقيمها ورسالتها إلى العالم. وفي هذا المجال، شكّل حضور جلالة الملكة رانيا أحد المسارات التي عززت حضور الأردن في النقاشات الدولية المتعلقة بالتعليم والعمل الإنساني واللاجئين وتمكين المرأة والمجتمعات.
وفي الداخل، حافظت جلالتها على حضور ميداني جعل العمل العام أكثر التصاقاً بالناس.
فالزيارات واللقاءات مع المدارس والأسر والمؤسسات والمجتمعات المحلية لم تكن مجرد نشاطات بروتوكولية، بل شكلت مساحة للاطلاع المباشر على التحديات، والاستماع إلى الناس، وتحويل الاحتياجات الواقعية إلى أفكار وبرامج ومبادرات.
كما أسهمت مسيرتها المهنية قبل دخولها العمل العام، بدءاً من دراستها في الجامعة الأميركية بالقاهرة وحصولها عام 1991 على درجة البكالوريوس في إدارة الأعمال، ثم عملها في القطاع المصرفي ومجال تكنولوجيا المعلومات، في تشكيل شخصية تجمع بين المعرفة الأكاديمية والخبرة العملية والانفتاح على التحولات الاقتصادية والتكنولوجية.
ومع مرور السنوات، اتسع نطاق حضور جلالة الملكة ليشمل قضايا التعليم الرقمي والمهارات والابتكار وريادة الأعمال ومستقبل الأجيال، بما يواكب التحولات العالمية ويستجيب لحاجات الأردن، ويعكس إدراكاً بأن الاستثمار في الإنسان لم يعد خياراً تنموياً فحسب، بل ضرورة في عالم سريع التغير.
لذلك، فإن قراءة مسيرة جلالة الملكة رانيا لا ينبغي أن تقتصر على تعداد المبادرات والإنجازات، بل يجب النظر إليها باعتبارها تجربة متكاملة في تحويل القضايا الإنسانية إلى تأثير وطني ودولي.
فخلال أكثر من ثلاثة عقود، حافظت جلالتها على معادلة تجمع بين القرب من المجتمع والانفتاح على العالم، وبين الاهتمام بتفاصيل حياة الأسرة الأردنية والدفاع عن قضايا إنسانية تتجاوز الحدود، وبين العمل المؤسسي والحضور الإعلامي الذي جعل صوت الأردن حاضراً في العديد من المنابر الدولية.
وفي عيد ميلادها، الذي يصادف الحادي والثلاثين من آب، تستعاد مسيرة جلالة الملكة رانيا العبدالله باعتبارها تجربة لافتة في الحياة العامة الأردنية؛ تجربة لم تكتفِ بالحضور، بل سعت إلى صناعة الأثر، ولم تكتفِ بالشعارات، بل بنت مؤسسات ومبادرات، ولم تحصر رسالتها في الداخل، بل حملت قضايا الأردن والإنسان العربي إلى العالم.
الملكة رانيا ليست فقط عنواناً لمسيرة إنسانية امتدت أكثر من ثلاثة عقود، بل نموذج لحضور أردني استطاع أن يحوّل التعليم والإنسان والتمكين إلى رسالة، والرسالة إلى تأثير، والتأثير إلى قوة ناعمة تضاف إلى رصيد الأردن ومكانته.
وهذه هي القيمة الأعمق في مسيرتها: أن الإنسان ظل نقطة البداية، وبناء المستقبل ظل الهدف، والأردن ظل العنوان؛ مسيرة تؤكد أن حضور الدول في العالم لا تصنعه الخطابات وحدها، وإنما تصنعه أيضاً النماذج والتجارب والقيم التي تستطيع الوصول إلى الناس والتأثير فيهم.