
الأميرة بسمة بنت طلال … حين يتحوّل العطاء إلى رسالة ، والعمل الإنساني إلى إرثٍ وطني
الشعب نيوز:-
الدكتور نسيم أبو خضير
هناك شخصياتٌ لا تُقاس مسيرتها بعدد المناصب التي شغلتها ، ولا بعدد المناسبات التي حضرتها ، وإنما تُقاس بما تركته من أثرٍ في حياة الناس ، وما زرعته من أملٍ في نفوسهم ، وما أسسته من مؤسساتٍ ومبادرات ، وما قدمته للوطن والمجتمع والإنسان .
ومن هذه الشخصيات التي إرتبط إسمها في الأردن ، وعلى مدى عقودٍ طويلة ، بالعمل الإنساني والإجتماعي والتنموي ، وتمكين المرأة ، ورعاية الأسرة والطفولة ، وخدمة المجتمعات المحلية ، صاحبة السمو الملكي الأميرة بَسْمَة بنت طلال ، التي إختارت أن يكون حضورها بين الناس وفي الميدان ، وأن تجعل من العمل الإنساني رسالةً تتجاوز حدود المناسبة إلى بناء الإنسان والمؤسسة .
إن الحديث عن الأميرة بسمة بنت طلال ليس حديثاً عن شخصيةٍ عامةٍ فحسب ، بل هو حديثٌ عن مسيرةٍ طويلة من العطاء المؤسسي والتطوعي والإنساني ، تركت سموها خلالها بصماتٍ واضحة في العديد من المجالات ، وأسهمت في تحويل العمل الإجتماعي من مجرد مبادراتٍ متفرقة إلى مشاريع وبرامج ومؤسسات ذات أثرٍ مستدام .
من العطاء الفردي إلى العمل المؤسسي :
من أبرز ما يميز تجربة الأميرة بسمة ، أنها لم تنظر إلى العمل الإنساني بإعتباره مجرد تقديم مساعداتٍ للفقراء والمحتاجين ، وإنما آمنت بأن الإنسان لا يحتاج فقط إلى من يعطيه ، بل يحتاج إلى من يساعده على إمتلاك القدرة على الوقوف على قدميه .
ومن هنا جاء إهتمامها بالتنمية البشرية ، وتمكين المجتمعات المحلية ، وبناء قدرات الأفراد ، وفتح أبواب التعليم والتدريب والعمل أمام الفئات الأقل حظاً .
وقد ارتبط إسم سموها بصورةٍ خاصة بالصندوق الأردني الهاشمي للتنمية البشرية «جُهد» ، الذي تأسس عام 1977 ، وتطور على مدى السنوات إلى مؤسسة تنموية واسعة الحضور في مختلف مناطق المملكة .
وهنا تكمن إحدى أهم سمات تجربة الأميرة بسمة ، وهي الإنتقال من مفهوم المساعدة إلى مفهوم التمكين ، ومن تقديم الحل المؤقت إلى بناء القدرة على مواجهة المستقبل .
حملة البر والإحسان … مدرسةٌ أردنية في التكافل والعطاء :
ومن المحطات المهمة التي لا يمكن تجاوزها عند الحديث عن المسيرة الإنسانية للأميرة بسمة بنت طلال ، حملة البر والإحسان ، التي أصبحت على مدى سنوات عنواناً بارزاً من عناوين التكافل الأجتماعي والوصول إلى الأسر المحتاجة في مختلف مناطق المملكة .
وقد كان لسمو الأميرة بسمة دورٌ بارز في دعم هذه الحملة وتوجيهها نحو الإنسان الأردني ، وخاصة الأسر التي تعاني من ظروف إقتصادية واجتماعية صعبة ، والنساء المعيلات ، والأطفال ، والفئات الأقل حظاً .
ولم تكن أهمية الحملة في حجم المساعدات التي تقدمها فحسب ، وإنما في فلسفة العمل التي قامت عليها ، والمتمثلة في الوصول إلى المحتاج ، والحفاظ على كرامته ، وتقديم العون له دون أن يشعر بأنه وحيد في مواجهة ظروف الحياة .
فحين تصل قافلة الخير إلى قريةٍ أو منطقةٍ نائية ، فإنها لا تحمل معها مواداً عينية أو مساعداتٍ مالية فقط ، وإنما تحمل رسالةً تقول لكل أسرةٍ محتاجة ، إن المجتمع لم يتخلَّ عنكم ، وإن هناك من يسمع صوتكم ، ويشعر بمعاناتكم ، ويؤمن بأن لكم حقاً في حياةٍ كريمة .
وقد أسهمت حملة البر والإحسان في ترسيخ مفهوم الشراكة المجتمعية في العمل الخيري ، من خلال التعاون مع مؤسسات وقطاعات مختلفة ، وتحويل قيم التكافل والإحسان من مشاعر فردية إلى جهدٍ جماعي منظم .
وهنا تبرز القيمة الحقيقية لدور الأميرة بسمة ، فهي لم تكن تنظر إلى البر والإحسان بإعتباره موسماً من مواسم العطاء ، وإنما بإعتباره ثقافةً وطنية ومسؤوليةً إجتماعية مستمرة .
الحملة الوطنية للنوايا الحسنة … عندما يصبح التكافل عملاً منظماً
ومن العلامات البارزة في مسيرة سموها كذلك الحملة الوطنية للنوايا الحسنة ، التي أطلقت عام 1991 ، وأصبحت نموذجاً للعمل الإنساني القائم على الشراكة والتكافل .
فقد جمعت هذه الحملة بين المؤسسات الرسمية والأهلية ، والقطاع الخاص ، والأطباء ، والجامعات ، والبنوك ، والعديد من المؤسسات والجهات الوطنية ، بهدف الوصول إلى الأسر والفئات التي تحتاج إلى الدعم .
ولم تقتصر جهود الحملة على المساعدات المباشرة ، بل شملت مجالاتٍ متعددة ، من بينها الرعاية الصحية ، وتأمين السكن ، والمنح التعليمية ، والمساعدات العينية ، ودعم المشاريع وسبل العيش .
وهذا هو الفرق بين العمل الخيري العابر والعمل الإنساني المؤسسي ، فالأول قد يرتبط بموسمٍ أو مناسبة ، أما الثاني فيبني منظومةً تستمر ، وتكبر ، وتصل إلى الإنسان حيثما كان .
الأميرة بسمة وقضية المرأة … إيمان بأن المرأة شريكٌ في بناء الوطن .
ولعل من أكثر الملفات حضوراً في مسيرة الأميرة بسمة بنت طلال ، قضية المرأة وتمكينها .
فقد آمنت سموها بأن الحديث عن تقدم المجتمع لا يمكن أن يكتمل ، إذا بقي نصف المجتمع بعيداً عن المشاركة الفاعلة في التنمية وصناعة القرار .
ومن المبادرات المهمة في هذا المجال ، تأسيس اللجنة الوطنية الأردنية لشؤون المرأة عام 1992 ، التي أصبحت إحدى المؤسسات الوطنية المعنية بقضايا المرأة ، والعمل على تطوير السياسات والتشريعات التي تعزز مشاركتها وحقوقها .
كما أسست سموها عام 1995 تجمع لجان المرأة الوطني ، الذي امتد نشاطه إلى مختلف محافظات المملكة ، وسعى إلى جعل المرأة شريكاً حقيقياً في عملية التنمية.
الإنسان أولاً … المرأة والطفل والشباب وذوو الإعاقة
ولا يمكن إختزال تجربة الأميرة بسمة في قضية المرأة وحدها ، فقد إمتدت إهتماماتها إلى الأطفال والشباب ، والأشخاص ذوي الإعاقة ، والصحة ، والتعليم ، والبيئة ، والأمن الغذائي ، والتنمية المستدامة .
ومن المبادرات التي تعكس هذا الإهتمام مسابقة الملكة علياء للمسؤولية الإجتماعية ، التي هدفت إلى تعزيز الوعي المجتمعي بقضايا الأشخاص ذوي الإعاقة ، وتغيير النظرة النمطية تجاههم ، والتأكيد على أنهم شركاء في المجتمع .
من الأردن إلى العالم
ولم يتوقف حضور الأميرة بسمة عند حدود الوطن ، فقد حملت قضايا التنمية والمرأة والطفل إلى العديد من المحافل العربية والدولية ، وشغلت أدواراً دولية في مجال التنمية وتمكين المرأة والسكان .
وكان حضورها الدولي إمتداداً طبيعياً لتجربتها الأردنية ، حيث قدمت نموذجاً للعمل التنموي الذي يقوم على الشراكة ، وتمكين الإنسان ، وبناء المؤسسات .
الأميرة بسمة … مدرسة في العمل التطوعي والإنساني .
إذا أردنا أن نختصر هذه المسيرة الطويلة في عبارة واحدة ، فيمكن القول :
لقد ساهمت الأميرة بسمة بنت طلال في تحويل العمل الإنساني من مجرد إستجابةٍ للحاجة إلى مشروعٍ لبناء الإنسان ، ومن مبادراتٍ موسمية إلى عملٍ مؤسسي ، ومن تقديم المساعدة إلى تمكين الإنسان .
وفي حملة البر والإحسان تحديداً ، تتجلى صورةٌ مشرقة لهذا النهج ، حيث يصبح العطاء جسراً بين القادر والمحتاج ، وتصبح الشراكة المجتمعية وسيلةً لحماية كرامة الإنسان ، ويصبح الوصول إلى المناطق والفئات الأقل حظاً واجباً وطنياً لا منّةً ولا فضلاً .
بصمةٌ ستبقى في ذاكرة الوطن
إن أجمل ما يمكن أن يتركه الإنسان بعد سنوات العمل الطويلة ، ليس منصباً ولا لقباً ، وإنما أثراً يبقى في حياة الآخرين .
والأميرة بسمة بنت طلال تركت أثراً في أكثر من إتجاه ، امرأةً تم تمكينها ، وطفلاً تمت رعايته ، وأسرةً وصلت إليها يد الخير ، وشاباً حصل على فرصة ، ومجتمعاً محلياً تعززت قدرته ، ومؤسسةً وُلدت لتواصل رسالتها .
ولهذا فإن الحديث عن سمو الأميرة بسمة هو حديثٌ عن صفحةٍ مهمة من صفحات العمل الإنساني والإجتماعي في الأردن ، وعن تجربةٍ أثبتت أن العمل التطوعي حين يصبح مؤسسياً ، يصبح أكثر قدرةً على الإستمرار ، وحين يرتبط بالتنمية ، يصبح أكثر قدرةً على تغيير حياة الناس .
الأميرة بسمة بنت طلال … إسمٌ إرتبط بالعطاء ، وحضورٌ ارتبط بالإنسان ، ومسيرةٌ إرتبطت بالمؤسسة ، ورسالةٌ عنوانها أن خدمة الإنسان ليست ترفاً ، وإنما مسؤوليةٌ وطنية وأخلاقية .
وفي وطنٍ عُرف بالتكافل والتراحم ، تبقى حملة البر والإحسان وغيرها من المبادرات الإنسانية شاهدةً على أن الخير في الأردن ليس فعلاً عابراً ، وإنما ثقافةٌ راسخة ، وأن أجمل ما يمكن أن نقدمه لبعضنا بعضاً هو أن يشعر المحتاج بأنه ليس وحده ، وأن كرامته محفوظة ، وأن وطنه يقف إلى جانبه .
تلك هي البصمة التي لا تمحوها السنوات ، وتلك هي قيمة العمل حين يتحول من مبادرةٍ إلى مؤسسة ، ومن فكرةٍ إلى رسالة ، ومن عطاءٍ مؤقت إلى إرثٍ إنساني مستمر .
