
نحو قوة ردع للسلم الإقليمي د. حازم قشوع
الشعب نيوز:-
لم يعد الحديث عن توجه أردني سعودي نحو تشكيل جبهة
في المشرق العربي مجرد قراءة في تطورات الحرب، وإنما
بات يقترب من كونه استحقاقاً تفرضه طبيعة المرحلة التي دخلتها المنطقة، بعدما أصاب الانسداد مسار الحرب، وتعطلت معه بعض أهم شرايين الطاقة والتجارة في هرمز وباب المندب، وأصبح احتمال اتساع المواجهة قائماً على نحو يجعل الجغرافيا العربية نفسها جزءاً من معادلة الصراع. ومن هنا
فإن تشكيل جبهة في المشرق لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره جبهة حرب، وإنما جبهة ردع تمنع الحرب من الوصول إلى المجال العربي الأوسع، وتعيد تعريف الأمن العربي من أمن كل دولة منفردة إلى أمن مجال عربي متكامل.
وفي هذا السياق تبرز عمّان والرياض كما أبو ظبي والمنامة والكويت، ليس كعواصم متجاورة في الحساب السياسي فحسب، وإنما كعناصر قادرة على بناء منظومة أمن عربية جديدة، يكون فيها الأردن نقطة ارتكاز للمشرق، والسعودية عمقاً استراتيجياً للخليج، وتصبح حماية الممرات والمصالح العربية مسؤولية مشتركة لا قضية منفردة. وتحديداً هنا
تبرز أهمية الأردن، فالأردن لم يعد مجرد حدود فاصلة
بين ساحات المنطقة، وإنما أصبح بحكم موقعه السياسي والجغرافي حلقة الوصل بين المشرق والخليج، وبين بلاد
الشام والبحر الأحمر، وبين أمن الدولة وأمن المجال العربي.
وإذا كان الأردن قد حافظ على موقفه بأنه ليس طرفاً في الحرب، فإن ذلك لا يعني أن يكون خارج تداعياتها، خصوصاً عندما تعبر الصواريخ والمسيّرات أجواءه وتقترب النيران من حدوده ومصالحه، وعندما تصبح الممرات والطاقة والتجارة جزءاً من أدوات الصراع. ولذلك فإن حماية الأردن ليست شأناً أردنياً منفرداً، كما أن حماية الخليج ليست شأناً خليجياً منفرداً، لأن أمن المنطقة أصبح مترابطاً من عمّان إلى الرياض، ومن الخليج إلى البحر الأحمر، ومن باب المندب إلى المشرق. وهذه هي النقطة التي يمكن أن ينطلق منها بناء قوة ردع عربية تجعل أمن الأردن جزءاً من أمن الخليج، وأمن الخليج جزءاً من أمن المشرق، لا على أساس الدخول في الحرب، وإنما على أساس منع انتقال الحرب إلى الجغرافيا العربية.
ومع انتهاء اجتماعات بريكس وما حملته من رسائل سياسية، وفي مقدمتها الدعوة إلى ضبط النفس ورفض توسيع دائرة الصراع والتمسك بالحوار والدبلوماسية، تتضح أكثر طبيعة التحول الذي يشهده النظام الدولي. ومع اقتراب عقد لقاء ترامب وشي في البيت الأبيض قبل نهاية الشهر الجاري ، فإن العالم يدخل مرحلة أخرى من إعادة ترتيب العلاقة بين القوى الكبرى، وما يرتبط بها من ملفات التجارة والطاقة والأمن والحروب وموازين النفوذ. ومن هنا فإن الرسالة الأهم للعرب
لا تكمن في انتظار ما ستنتجه طاولة الكبار، وإنما في امتلاك القدرة التي تجعل العرب طرفاً في صناعة الترتيبات، لا مجرد جغرافيا تتلقى نتائجها، لأن من لا يمتلك عناصر القوة لا يستطيع أن يكون شريكاً في صناعة القرار الدولي أو الإقليمي.
لقد تغيرت طبيعة التهديد، وبالتالي لا يمكن أن يبقى مفهوم الأمن العربي على صورته القديمة. فهرمز ليس قضية خليجية فقط، وباب المندب ليس قضية بحرية منفصلة، لأن تعطيل الممرات يضرب الطاقة والتجارة والاقتصاد وسلاسل الإمداد، ويحوّل الجغرافيا العربية إلى أداة ضغط على القرار العربي وهذا ما قد يحول 《مركزيه القرار من خليجي عربي الى مشرقي عربي 》ليدافع الكل عن الكل وتتشكل انعكاسات على الصعيد التنموي بشكل متواز مع امن المشرق العربي وهو ما يعد متغير مهم يمكن البناء عليه فيما بعد عند هندسه بيت القرار الاقليمي وقضاياه ولذلك فإن المطلوب ليس فقط حماية الممرات القائمة، وإنما امتلاك البدائل، بحيث تتحول الجغرافيا العربية من نقاط اختناق إلى شبكة أمان، ومن ممرات قابلة للتعطيل إلى شبكة مترابطة قادرة على الاستمرار. وهنا تصبح قوة الردع أوسع من السلاح كونها تحوى على مراحل من التنسيق للقرار وبيان المعلومة ودروع الدفاع الجوي والبحري والطاقة والموانئ والاقتصاد وكذلك بيان وقدرتها على حماية المجال العربي قبل أن يتحول التهديد إلى مواجهة، لأن من يمتلك البديل يمتلك مساحة أوسع من القرار.
وفي حال دخول قوة الردع العربية إلى الحرب الدائرة لفرض الحسم وإنهاء حالة الاستنزاف، فإن طبيعة المعركة لن تبقى على صورتها الحالية، كما أن آلياتها ووسائلها وقواعد اشتباكها ستكون مختلفة، لأن دخول قوة عربية منظمة إلى المعادلة سيعني الانتقال من إدارة الحرب إلى محاولة حسمها ميدانياً وفق حسابات جديدة. وفي هذه الحالة لن تتوقف التداعيات عند خطوط المواجهة القائمة، وإنما قد تمتد إلى الداخل الإيراني، حيث تتحدث بعض القراءات عن إمكانية أن تشهد مناطق ذات خصوصية قومية وإثنية، مثل بلوشستان والمناطق الكردية وغيرها، تحولات ودعماً إضافياً قد يساهم في إعادة تشكيل توازنات النظام الإيراني من الداخل.
وهي احتمالات تبقى مرتبطة بمسار الحرب وتطوراتها، لكنها تكشف في الوقت نفسه أن دخول قوة ردع عربية إلى المعركة، إذا فُرض عليها ذلك، يمكن أن ينقلها من مجرد قوة لحماية الحدود والمصالح إلى قوة قادرة على التأثير في نتيجة الحرب وقواعد الحسم فيها. وهذا ما يجعل خيار الردع أكثر أهمية، لأن امتلاك القدرة على الحسم هو في ذاته أحد أهم أدوات منع الحرب، شرط ألا يُستخدم إلا عندما تصبح الخيارات السياسية عاجزة عن وقف التهديد واستمرار السياسات الاستفزازية.
ومن هنا فإن الحديث عن التمادي الإيراني المتصاعد لا ينبغي أن يقود إلى سباق نحو الحرب، وإنما إلى بناء القدرة التي تمنع التمادي من أساسه. فقد أثبتت التطورات أن عقلانية الاحتواء وحدها لا تكفي عندما تتعرض دول عربية لهجمات رغم إعلانها أنها ليست طرفاً في الحرب، لأن استمرار انتقال النيران إلى الجغرافيا العربية يعني عملياً أن قواعد الاشتباك أصبحت تُفرض على الجميع من خارج إرادتهم. ولذلك يصبح وضع الأيادي في هيئة تشابك ورص الصفوف ضرورة سياسية وأمنية، ليس لفتح مواجهة جديدة، وإنما لإغلاق الطريق
أمام توسعها. فالقوة العربية المشتركة يجب أن تكون عنواناً للأمان لا عنواناً للحرب، ووسيلة لحماية السلام لا مدخلاً إلى المواجهة، وإذا اضطرت إلى الدخول فإن قدرتها يجب أن تكون مبنية على الحسم لا على الاستنزاف.
وعليه فإن قوة ردع المشرق العربي لا ينبغي أن تكون ترتيباً عسكرياً عابراً، وإنما نواة لهندسة أمن عربي جديدة، تبدأ من الأردن والسعودية وتمتد إلى العواصم العربية القادرة على حماية المجال المشترك، وتقوم على تشابك الدفاع والمعلومات والطاقة والموانئ والممرات والاقتصاد، بحيث يصبح أمن الدولة جزءاً من أمن المجال العربي. وعندها يمكن للأردن أن يؤدي دوره الطبيعي في هذه المعادلة باعتباره نقطة ارتكاز في المشرق، لا ساحة لتلقي تداعيات الحروب، ويمكن للسعودية أن تؤدي دورها باعتبارها مركز الثقل في الخليج، فيما تتكامل أبو ظبي والمنامة والكويت والدوحة ضمن شبكة أمنية وسياسية واقتصادية واحدة. وبهذا تتحول الجغرافيا العربية من مساحة تتلقى تداعيات الصراع إلى مساحة تصنع معادلة الردع، ومن نقاط اختناق إلى شبكة أمان، ومن انتظار للضربة إلى قدرة على منعها، وإذا فُرضت المواجهة تصبح قادرة على تغيير مسارها نحو الحسم.
فالمرحلة المقبلة لا تحتاج إلى حرب عربية جديدة، وإنما تحتاج إلى قوة تمنع الحرب من التمدد، وإلى موقف عربي يدرك أن السلام لا يحميه الاحتواء وحده دائماً، وإنما تحميه أيضاً القدرة التي تجعل الاعتداء مكلفاً والتوسع مستحيلاً. وبين الرسائل التي خرجت من بريكس واقتراب لقاء ترامب وشي، تتشكل ملامح مرحلة دولية جديدة يعاد فيها ترتيب الطاولة وموازين القوة، ولذلك فإن المطلوب عربياً هو أن يدخل المشرق هذه المرحلة وهو يمتلك قوة ردعه وشبكة أمانه وقدرته على حماية جغرافيته وممراته ومصالحه وقراره. فالأردن والسعودية ومعهما العواصم العربية الأخرى لا يملكون ترف الانتظار، وإنما يملكون فرصة صناعة معادلة جديدة عنوانها أن قوة الردع ليست إعلاناً للحرب، بل ضمانة للسلام، وأن امتلاك القدرة على الحسم إذا فُرضت المواجهة هو الذي يجعل الحسم السياسي ممكناً قبل الوصول إليها، ويفتح الطريق نحو قوة السلام الإقليمي، ويحفظ للمشرق العربي أمنه وقراره ومستقبله.