“بين نقطتين… شيء لا تراه العين”بقلم د. عمّار محمد الرجوب

الشعب نيوز:-

 

بين نقطتين يرسم الإنسان خطا، ويظن أن المسافة بينهما مجرد طريق يصل البداية بالنهاية. لكنه لو تأمل قليلا، لاكتشف أن كثيرا من أسرار الحياة لا تسكن في النقطتين، بل في المسافة بينهما، حيث تولد الاحتمالات، وتتغير الاتجاهات، وتبدأ أشياء لا نراها إلا بعد أن تصبح واقعا.
نحن نحب الأشياء الواضحة: بداية ونهاية، حضور وغياب، وصول ومغادرة. لكن الحياة أكثر غموضا من ذلك. فهناك أشياء تبدأ دون أن نعرف متى بدأت، وتنمو في الخفاء، ثم تظهر فجأة وكأنها ولدت في لحظتها الأخيرة.
نرى الوردة، ولا نرى ما حدث للبذرة تحت التراب. ونرى النجاح، ولا نرى السنوات التي سبقته. ونسمع الكلمة، ولا نعرف كم من الصمت سبقها.
ربما لهذا لا تحدث الأشياء فجأة كما تبدو لنا؛ إنها تتشكل بصمت، ثم تأتي لحظة واحدة تكشف ما كان يجري بعيدا عن أعيننا.
حتى المطر الذي يسقط أمام نافذتنا لم يبدأ لحظة سقوطه. سبقته رحلة طويلة من التبخر والتكاثف والانتظار، حتى جاءت اللحظة التي أصبحت فيها قطرة واحدة قادرة على إعلان وصول السماء إلى الأرض.
وهكذا بعض التحولات في حياتنا؛ تتراكم في الداخل حتى تأتي لحظة صغيرة، فنظن أنها صنعت التغيير، بينما كانت فقط اللحظة التي ظهر فيها.
وكم من لحظة حسبناها عابرة، ثم اكتشفنا بعد سنوات أنها لم تكن كذلك!
طريق اخترناه صدفة، كتاب وقع بين أيدينا، شخص التقيناه دون موعد، كلمة قيلت دون قصد، أو قرار صغير غير اتجاه أيامنا. يمضي المشهد، لكن أثره يبقى، ثم يعود الزمن ليكشف لنا أن ما ظنناه تفصيلا كان أحيانا نقطة تحول.
وهنا تصبح المصادفة سؤالا أكثر من كونها جوابا: هل نحن الذين نصنع الطريق، أم أن بعض الطرق تبدأ بصنعنا قبل أن نعرفها؟
وربما لا نحتاج إلى إجابة حاسمة. فالحياة لا تمنحنا كل الاحتمالات، بل تمنحنا طريقا نمشيه، وأبوابا نفتحها، وأخرى تبقى خلفنا. وفي مكان ما داخل كل واحد منا، تسكن حياة أخرى لم نعشها؛ حياة كان يمكن أن تكون لو اخترنا طريقا مختلفا.
لكن الإنسان لا يستطيع أن يعيش كل الاحتمالات. عليه أن يمنح حياته التي اختارها ما يكفي من الإيمان والحضور حتى تصبح جديرة بأن تعاش.
حتى السماء تعلمنا التواضع أمام ما نظنه يقينا. فالضوء الذي يصلنا من بعض النجوم قد يكون قد بدأ رحلته قبل زمن بعيد، فنحن أحيانا لا نرى الحدث، بل نرى أثره بعد أن يعبر المسافة.
وهذا يحدث معنا أيضا. قد نرى إنسانا تغير، ولا نعرف أن التغيير بدأ داخله منذ سنوات. وقد نرى قرارا ونحكم عليه من لحظته الأخيرة، دون أن نعرف الطريق الطويل الذي أوصل إليه.
لذلك ربما تكون الرحمة نوعا من المعرفة؛ أن ندرك أن ما نراه من الآخرين ليس كل ما فيهم، وأن خلف بعض الصمت حكاية، وخلف بعض القسوة وجعا، وخلف بعض الهدوء عاصفة انتهت قبل أن تصل إلينا.
ومع ذلك، ليست الحياة كلها بحاجة إلى تفسير. هناك أشياء يكفي أن نتأملها: مطر يهطل، شجرة تكبر، فجر يتسلل، ونجمة بعيدة تترك في السماء أثرا من الضوء.
ربما لا يأتي الجمال دائما في صورة إجابة. أحيانا يأتي في السؤال نفسه، وفي تلك المساحة التي يتركها المجهول مفتوحة أمام دهشتنا.
وأقول أنا:
كلما تأملت الحياة، ازددت يقينا بأن ما نراه ليس سوى الصفحة التي سمح لنا الوقت بقراءتها، أما بقية الحكاية فتظل مخبأة بين السطور. لذلك لم أعد أستعجل الحكم على حدث لم تكتمل فصوله، ولا أعتبر بابا أغلق في وجهي نهاية الطريق، ولا أستخف بلحظة تبدو صغيرة؛ فقد تكون اللحظة التي لا نلتفت إليها هي التي تعيد كتابة حياتنا من حيث لا ندري. وأصبحت أؤمن أن للغياب توقيته، وللوصول توقيته، وللأشياء التي تأخرت حكمة لا نفهمها دائما في وقتها؛ فما لم يصل اليوم ليس بالضرورة ضائعا، وما لم نفهمه الآن ليس بالضرورة بلا معنى. بعض الأشياء تحتاج إلى أن تعبر مسافة طويلة في الحياة قبل أن تصل إلى أعماقنا.
ولعل أعمق ما في الوجود أن الحقيقة لا تأتي دائما إلينا كاملة؛ قد تصلنا على هيئة إشارة، أو مصادفة، أو تأخير، أو فقد، أو طريق لم نخطط له. ثم، بعد سنوات، نلتفت إلى الوراء فنكتشف أن أشياء كثيرة لم تكن عبثا كما ظننا، وأن ما حسبناه انحرافا عن الطريق ربما كان الطريق نفسه، لكننا لم نكن نملك يومها العين التي تستطيع أن تراه.
لهذا لا أريد أن أعيش الحياة مستعجلا نهاياتها.
أريد أن أترك لبعض الأشياء حقها في الغموض، وللبعض الآخر حقه في الوقت، ولنفسي حقها في ألا تفهم كل شيء دفعة واحدة.
فليست كل حقيقة بحاجة إلى أن تظهر الآن، وليست كل إجابة مطالبة بأن تصل في موعد نحدده نحن.
هناك أشياء لا تأتي متأخرة…
نحن الذين نصل إليها متأخرين.
وربما لهذا كانت المسافة بين نقطتين أعظم من مجرد فراغ؛ ففيها تتشكل الاحتمالات، وتختبر القلوب، وتنضج المعاني، ويتحرك القدر في صمت لا نسمعه.
قد ننظر إلى المسافة فنراها لا شيء، بينما تكون هي المكان الذي يتقرر فيه كل شيء.
ماذا لو كان ما نسميه اليوم تأخيرا، هو في الحقيقة توقيتا دقيقا لحكمة لم تنضج أعيننا بعد لرؤيتها؟

 

قد يعجبك ايضا