
من ملف الاغتيال إلى نزاع الشرعية.. كيف تحولت قضية مليقطة إلى معركة على رأس المخابرات الليبية؟
الشعب نيوز:-
طرابلس – في ليبيا، لم تعد قضية محاولة استهداف عبد المجيد مليقطة ملفاً جنائياً منفصلاً عن المشهد السياسي والأمني. فبعد أكثر من عامين على الحادثة، عاد اسم مليقطة إلى الواجهة من بوابة مختلفة تماماً، بعدما أصبح طرفاً في نزاع على قيادة جهاز المخابرات العامة، في وقت تزامنت فيه القضية الأصلية مع أحكام قضائية طالت عدداً من المتهمين، بينهم نجل رئيس الجهاز السابق حسين العايب.
وبذلك، انتقل الملف تدريجياً من سؤال من يقف وراء محاولة اغتيال مليقطة إلى سؤال آخر أكثر اتساعاً: هل أسهمت القضية في إعادة تشكيل موازين القوة داخل واحدة من أكثر مؤسسات الدولة الليبية حساسية؟
محاولة الاغتيال تفتح أول خيوط القضية
تعود وقائع القضية إلى 14 يونيو/حزيران 2024، حين استُهدف عبد المجيد مليقطة، الذي كان يشغل آنذاك منصب رئيس هيئة السلامة الوطنية بحكومة الوحدة الوطنية، في طرابلس، في محاولة اغتيال بواسطة عبوة ناسفة استهدفت سيارته، وفق ما أوردته تقارير إعلامية ليبية.
ومع تقدم التحقيقات، اتسعت دائرة الملاحقة لتشمل أشخاصاً مرتبطين بأجهزة أمنية، الأمر الذي منح القضية منذ بدايتها بعداً يتجاوز الجريمة ذاتها.
وفي يوليو/تموز 2024، سلّم رئيس جهاز المخابرات آنذاك حسين العايب إلى النائب العام قراراً برفع القيد الإجرائي عن 13 عضواً بالجهاز، بما أتاح للسلطات القضائية مواصلة الإجراءات بحقهم في إطار التحقيقات المتعلقة بالقضية.
أحكام في ليبيا وتونس
بلغ الملف مرحلة أكثر حساسية في أبريل/نيسان 2025، عندما أصدرت محكمة جنايات طرابلس أحكاماً بحق سبعة مدانين في القضية، من بينهم نجل حسين العايب، الذي صدر بحقه حكم بالسجن لمدة سبع سنوات، إلى جانب أحكام متفاوتة بحق متهمين آخرين، بحسب تقارير محلية.
ولم يتوقف المسار القضائي عند الحدود الليبية. ففي تونس، صدرت في مارس/آذار 2025 أحكام بالسجن بلغت في مجموعها 44 عاماً بحق ستة متهمين ليبيين على خلفية القضية، وفق التقارير التي تناولت المحاكمة.
لكن إدراج اسم نجل رئيس جهاز المخابرات السابق بين المحكوم عليهم لا يعني، من الناحية القانونية، ثبوت أي مسؤولية على والده. فالمسؤولية الجنائية شخصية، ولا تنتقل بالقرابة أو الموقع الوظيفي، ما لم تثبتها أدلة مستقلة وقرارات قضائية صريحة.
وهذه النقطة تظل أساسية في قراءة الملف، خصوصاً مع انتقال القضية لاحقاً إلى مستوى أكثر تعقيداً يتعلق بمستقبل قيادة جهاز المخابرات نفسه.
حين خرجت القضية من المحكمة إلى مؤسسة المخابرات
في يونيو/حزيران 2026، دخل النزاع مرحلة جديدة بعدما أعلن المجلس الرئاسي إعفاء حسين العايب من رئاسة جهاز المخابرات وتكليف عبد المجيد مليقطة بالمنصب.
غير أن القرار لم يمر من دون اعتراضات داخل المجلس الرئاسي وخارجه، ليتحول تغيير قيادة الجهاز إلى نزاع حول الصلاحيات والاختصاصات، وليس مجرد قرار إداري بتغيير مسؤول أمني.
وفي أغسطس/آب، أوقفت محكمة استئناف بنغازي تنفيذ قرارات المجلس الرئاسي المتعلقة بقيادة جهاز المخابرات، في انتظار حسم النزاع القضائي. ثم جاء حكم قضائي جديد من محكمة استئناف الزاوية في سبتمبر/أيلول ليعيد الملف إلى الواجهة، مع وقف تنفيذ قرارات مرتبطة بإعفاء العايب وتكليف مليقطة.
وبذلك أصبحت شرعية قيادة الجهاز نفسها موضع نزاع قضائي، في وقت كان فيه مليقطة قد ظهر بالفعل في موقع القيادة بالعاصمة.
مؤسستان وقرارات متعارضة
التطورات الأخيرة أظهرت بوضوح أن الخلاف لم يعد محصوراً في شخصي العايب ومليقطة، بل بات مرتبطاً بتفسير الصلاحيات القانونية للجهات الليبية المختلفة.
ففي سبتمبر/أيلول، أصدرت رئاسة جهاز المخابرات تعميماً أكدت فيه أن مليقطة هو المخول بتمثيل الجهاز، مستندة إلى قرار إنهاء مهام العايب اعتباراً من 29 يونيو/حزيران، وحذرت من التعامل مع أي مخاطبات أو تصرفات تصدر عنه بصفته رئيساً للجهاز.
في المقابل، فإن الأحكام القضائية المتعلقة بقرارات التعيين والإعفاء أضافت طبقة جديدة من التعقيد، بعدما طعنت جهات سياسية وقانونية في اختصاص المجلس الرئاسي بإجراء هذه التغييرات.
وهنا تكمن المفارقة: مؤسسة أمنية سيادية يفترض أن تتحدث بصوت واحد، باتت قرارات قيادتها مرتبطة بسلسلة من الطعون والأحكام والتفسيرات المتباينة للصلاحيات.
مليقطة بين ضحية سابقة ورئيس متنازع على شرعيته
المسار الزمني للقضية يضع مليقطة في موقع استثنائي داخل هذا المشهد.
فالرجل الذي كان في عام 2024 هدفاً لمحاولة اغتيال أصبح في عام 2026 اسماً مطروحاً على رأس جهاز المخابرات نفسه. وبين المرحلتين، صدرت أحكام قضائية بحق متهمين في القضية، من بينهم شخص ينتمي إلى عائلة رئيس الجهاز الذي كان يشغل المنصب في ذلك الوقت.
لكن الربط بين هذه الوقائع يحتاج إلى قدر كبير من الحذر. فالتزامن الزمني لا يثبت وجود علاقة سببية بين القضية الجنائية والنزاع على قيادة الجهاز، كما أن الأحكام الصادرة بحق أفراد محددين لا تشكل، بحد ذاتها، حكماً على المؤسسة بأكملها أو على مسؤولين لم تثبت إدانتهم.
وفي المقابل، فإن وجود صلات بين بعض المحكوم عليهم وأجهزة أمنية يطرح تساؤلات حول طبيعة الرقابة داخل المؤسسات السيادية وآليات منع تضارب المصالح، وهي مسائل لا يمكن حسمها إلا من خلال التحقيقات والأحكام والوثائق الرسمية.
المعركة الحقيقية: من يملك قرار قيادة الجهاز؟
تبدو القضية اليوم أقرب إلى عقدة تتداخل فيها ثلاثة مسارات.
الأول جنائي، بدأ بمحاولة استهداف مليقطة وانتهى إلى أحكام بحق عدد من المتهمين في ليبيا وتونس.
والثاني مؤسسي، يتعلق بإعفاء حسين العايب وتكليف مليقطة بقيادة جهاز المخابرات.
أما الثالث فهو قانوني وسياسي، ويتمحور حول الجهة التي تملك صلاحية تعيين وإعفاء رئيس الجهاز، وحول مدى سلامة الإجراءات التي اتُّبعت في إصدار قرارات يونيو/حزيران 2026.
وهذا المسار الثالث هو الذي يمنح القضية الحالية أهميتها الأوسع؛ إذ إن استمرار الطعون والأحكام المتعارضة لا يحدد فقط مستقبل شخصين، وإنما يمس أيضاً طريقة إدارة واحدة من المؤسسات السيادية في دولة ما زالت تعاني من تعدد مراكز القرار.
ملف واحد.. وأسئلة أكبر من حادثة اغتيال
بعد أكثر من عامين على محاولة استهداف مليقطة، لم يعد السؤال مقتصراً على هوية المتهمين أو الأحكام التي صدرت بحقهم.
القضية أصبحت مرآة لصراع أوسع حول المؤسسات السيادية، وحدود صلاحيات السلطات، وطبيعة العلاقة بين القرار السياسي والحكم القضائي.
ومع استمرار المسار القضائي، تبدو الإجابة عن سؤال من يقود جهاز المخابرات أقل أهمية من سؤال آخر: من يملك قانوناً حق اتخاذ هذا القرار، ومن يضمن أن تكون المؤسسة قادرة على العمل بعيداً عن التجاذبات السياسية؟
في النهاية، تظل الوقائع القضائية منفصلة عن الحسابات السياسية: الإدانة مسؤولية فردية، والقرارات الإدارية قابلة للطعن، والشرعية المؤسسية لا تُحسم بمجرد إعلان سياسي، وإنما بما ينتهي إليه القضاء والقواعد القانونية النافذة.
ومن هذه الزاوية، فإن قضية مليقطة لم تعد مجرد ملف محاولة اغتيال؛ بل أصبحت اختباراً مزدوجاً للقضاء ولقدرة المؤسسات الليبية على حسم نزاعات السلطة وفق القانون.

