
رؤية الملك قيد التحقيق ..«خط السكة» د. حازم قشوع
الشعب نيوز:-
هي خطوة أخرى إماراتية أردنية تتقدم بثبات تجاه فضاء المنجزات، عبر شراكة أردنية إماراتية تقوم على إطلاق هذا المشروع الريادي، بحضور جلالة الملك عبدالله الثاني وولي عهد أبوظبي الشيخ خالد بن محمد بن زايد، بما يؤكد أن العلاقات بين البلدين تتجه بثبات نحو مزيد من التعاون والشراكة المنتجة والانتقال من باب التفاهمات إلى مداخل المشاريع المنتجة التي تصنع قيمة مضافة على الأرض وتحقق عوائد استراتيجية في المستقبل المنظور، كما تفتح فضاءات أوسع لتقريب بحر الميناء من الداخل الأردني عبر خطوة
إطلاق هذا المشروع الريادي.
ويأتي خط السك الحديدية بين معان والعقبة في توقيت
مهم كونه لا يمثل مجرد مشروع للنقل وإنما جزءاً من هندسة اقتصادية ولوجستية جديدة يمكن أن تعيد تعريف موقع الأردن في حركة التجارة الإقليمية وتمنح العقبة بعداً أوسع كبوابة بحرية وتجارية، فيما تفتح أمام معان فرصة التحول إلى مركز لوجستي واعد تتقاطع فيه حركة البضائع والممرات التجارية القادمة من وإلى الميناء.
فمعان، بما تمتلكه من موقع جغرافي ومساحات وإمكانات قابلة للتطوير، يمكن أن تتحول من محطة عبور إلى عقدة لوجستية متقدمة، بحيث ترتبط بالعقبة جنوباً وبشبكات النقل الوطنية والإقليمية شمالاً وشرقاً، بما يتيح إقامة مناطق للتخزين والمناولة وصناعات مرتبطة بالنقل والخدمات اللوجستية، ويعزز قدرتها على استقطاب الاستثمارات وإنتاج فرص العمل التي تستهدفها الرؤية الملكية من خلال تقليل نسب البطالة عبر المشروعات الإنتاجية.
وتبرز هنا الأبعاد الجيواقتصادية للمشروع، فالسكك الحديدية
لا تنقل البضائع فقط، وإنما تعيد ترتيب الجغرافيا الاقتصادية وذلك عند ربط معان بالعقبة بخط حديدي حديث فإن المسافة بين الميناء والأسواق تصبح جزءاً من منظومة أكثر كفاءة، ويصبح الموقع الأردني أكثر قدرة على الاندماج في شبكات التجارة والممرات الاقتصادية الجديدة حيث تقاس أهمية الجغرافيا بقدرتها على إنتاج الحركة وربط الأسواق وتخفيض كلف النقل وتعزيز أمن سلاسل الإمداد.
ومن هذه الزاوية، فإن معان يمكن أن تصبح إحدى نقاط الثقل الجديدة في هندسة الاقتصاد الأردني، باعتبارها بوابة جنوبية لا تتوقف وظيفتها عند حدود المحافظة، وإنما تمتد نحو صياغة مركز لوجستي يخدم العقبة والأردن والمنطقة بشكل عام. ويمكن لهذا المركز، إذا ما تكامل مع البنية التحتية المناسبة، أن يستوعب عمليات التخزين والمناولة وإعادة التصدير والصناعات المرتبطة بالنقل، بما يمنح الجنوب الأردني دوراً اقتصادياً يتناسب مع موقعه وإمكاناته.
كما أن العقبة، من خلال هذا الربط، لا تبقى ميناءً منفرداً، وإنما تتحول إلى بوابة بحرية متصلة بالداخل الأردني وبشبكات النقل الإقليمية، وهو ما يعزز القيمة الجيواقتصادية للميناء، ويمنح الأردن قدرة أكبر على المنافسة في حركة التجارة والممرات الاقتصادية حيث تتجاوز الشراكة الإماراتية الأردنية حدود المشروع ذاته، لأنها تقوم على الاستثمار في البنية التحتية بوصفها أداة لصناعة المستقبل، وربط الاقتصاد الأردني بشبكات التجارة والاستثمار الإقليمية. فالإمارات تمتلك خبرة متقدمة في بناء المراكز اللوجستية والموانئ والممرات التجارية، والأردن يمتلك الموقع والجغرافيا والاستقرار والقدرة على الربط بين مسارات متعددة، وهو ما يجعل التكامل بين الطرفين ذا قيمة اقتصادية واستراتيجية وذلك وفي ظل التحولات التي تشهدها المنطقة، فإن التنافس لم يعد يدور فقط حول الأسواق، وإنما حول الممرات التي تصل الأسواق بعضها ببعض. ومن هنا تأتي أهمية هذا المشروع في هندسة الممرات الاقتصادية، إذ يمكن أن يشكل نواة لمسار أوسع يجعل من الأردن حلقة وصل بين البحر والأسواق، وبين المشرق والخليج، ويمنح المملكة قدرة أكبر على إنتاج الدور من خلال موقعها.
إن خط معان–العقبة، بهذا المعنى، ليس خطاً للسكك الحديدية فحسب، وإنما مشروع لإعادة هندسة الجغرافيا الاقتصادية، كونه يجعل من العقبة بوابة بحرية، ومن معان مركزاً لوجستياً واعداً، ومن الأردن نقطة ارتكاز في حركة التجارة الإقليمية. وهي معادلة تجمع بين الموقع والاستثمار والبنية التحتية، وتحول الجغرافيا من ميزة كامنة إلى قوة اقتصادية فاعلة.
وهو ما ينسجم مع النهج الذي يعمل جلالة الملك عبدالله الثاني على ترسيخه، بالشراكة مع دولة الإمارات العربية المتحدة بقيادة الشيخ محمد بن زايد، وما يقوم ولي عهد أبوظبي الشيخ خالد بن محمد بن زايد وولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني بدفعه من توجهات نحو تفعيل المشاريع والمبادرات القادرة على إنتاج فرص جديدة أمام الشباب. فالمشروعات الإنتاجية لا تقاس بحجم بنيتها فقط، وإنما بما تفتحه من مسارات للعمل والاستثمار، ويأتي خط سكة معان–العقبة واحداً من المشاريع التي يمكن أن تتحول إلى مساحة إنتاج وتشغيل، وتمنح الشباب فرصاً واعدة ضمن منظومة اقتصادية تتكامل فيها البنية التحتية مع الاستثمار والتنمية.
وهكذا تتحول رؤية الملك إلى منجز، ويتحول خط السكة من مشروع نقل إلى أداة في هندسة الاقتصاد، ومن ربط بين معان والعقبة إلى ربط بين الأردن والممرات الاقتصادية الإقليمية بما يؤكد أن الشراكة الأردنية الإماراتية تمضي من نجاح إلى آخر، ومن مشروع إلى منظومة ومن العلاقة الثنائية إلى صناعة المصالح المشتركة عبر منهجية الاقتصاد الانتاجي المستهدفة .