ولي العهد: عشر سنوات من هندسة المستقبل د. حازم قشوع

الشعب نيوز:-

 

عشر سنوات مضت على انطلاق مؤسسة ولي العهد، لتقدم تجربة وطنية في تمكين الشباب، وتحفيز قدراتهم على الإبداع والابتكار، وفتح مسارات المشاركة في الحياة المهنية والتنموية. وهي مناسبة لا تقتصر على استعراض ما تحقق، بل تتيح قراءة المنهج الذي انطلقت منه المؤسسة، والمتمثل في الانتقال بالشباب من موقع الانتظار إلى فضاء المبادرة، ومن امتلاك الطموح إلى بناء القدرة على الإنجاز.

لقد جاءت المؤسسة في سياق رؤية ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، التي تنظر إلى الشباب بوصفهم قوة البناء ومحرك التغيير، لا مجرد فئة عمرية تحتاج إلى الرعاية. ومن هنا، تنوعت برامجها بين المشاركة الاقتصادية والقيادة والتنمية المجتمعية، لتفتح أمام الشباب مسارات تتصل بالتعليم والتدريب والعمل والتطوع والابتكار. غير أن تميز المؤسسة لا يقف عند حدود البرامج التي تنفذها، أو المبادرات التي تطلقها، بل يمتد إلى قدرتها على بناء شبكة من الشراكات مع الحواضن الأهلية ومؤسسات المجتمع المدني والقطاع الخاص، بما يتيح توسيع دائرة الدعم وتحويل الأفكار الشبابية إلى مبادرات قابلة للتطبيق والاستمرار.

فالقيمة المضافة لا تتشكل من المؤسسة منفردة، وإنما من البيئة التي تستطيع استقطابها وتنسيق جهودها، ومن تكامل الأدوار بين المبادرة الوطنية والاحتضان المجتمعي والخبرة الاستثمارية والإنتاجية للقطاع الخاص. وبهذا المعنى، تصبح المؤسسة نقطة التقاء بين طاقات الشباب والجهات القادرة على دعمهم وتوجيههم وفتح أبواب العمل أمامهم، لتتحول الشراكة من إطار للتعاون إلى وسيلة لتوسيع الفرص، ومن دعم المبادرات إلى بناء منظومة متكاملة للتمكين والإنتاج.

ولعل تجربة جامعة الحسين التقنية تمثل إحدى المحطات المهمة في هذا المسار، لأنها تطرح معالجة عملية للفجوة بين التعليم وسوق العمل. فالتعليم الذي يكتفي بتقديم المعرفة النظرية لم يعد كافياً في اقتصاد تتغير فيه المهن والمهارات بوتيرة متسارعة، وإنما تبرز الحاجة إلى نموذج يدمج الدراسة بالتطبيق والتدريب العملي، ويجعل احتياجات القطاعات الإنتاجية جزءاً من العملية التعليمية. وقد أعلنت الجامعة تحقيق نسب تشغيل مرتفعة لخريجيها، وفق بياناتها المنشورة، وهو ما يبرز أهمية دراسة هذا النموذج والاستفادة منه في تطوير منظومة التعليم والتدريب في الأردن.

لكن أهمية التجربة لا تقف عند حدود الجامعة، بل تتصل بسؤال أوسع: كيف يمكن تحويل التعليم من مرحلة تسبق العمل إلى جزء من منظومته؟ وكيف يمكن بناء علاقة مؤسسية بين الجامعات والشركات والمصانع ومراكز التكنولوجيا، بحيث تتشكل المهارات وفق احتياجات الاقتصاد الفعلية، لا وفق التخصصات التقليدية وحدها؟ إن الإجابة تقتضي توسيع التعليم التقني والمهني، وتعزيز التدريب في مواقع الإنتاج، وربط البرامج التعليمية باحتياجات سوق العمل، وقياس نتائجها بمؤشرات واضحة في التشغيل والإنتاجية.

وفي العقد الثاني من عمل مؤسسة ولي العهد، تبرز ضرورة الانتقال من هندسة الفرص إلى هندسة الاقتصاد المعرفي. فالثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني وعلوم البيانات والتقنيات المتقدمة تعيد تشكيل سوق العمل، وتغير طبيعة المهارات المطلوبة. ومن هنا، فإن الاستثمار في الشباب ينبغي ألا يتوقف عند تأهيلهم للوظائف القائمة، بل يجب أن يمتد إلى إعدادهم للمهن الجديدة، وتمكينهم من تأسيس مشروعاتهم الخاصة وتحويل أفكارهم إلى منتجات وخدمات قابلة للتطوير والتسويق.

وهذا المسار يحتاج إلى منظومة متكاملة تجمع التدريب التقني، وحاضنات الابتكار، والتمويل الموجه للمشروعات الناشئة، والشراكة مع القطاع الخاص، وإتاحة الفرصة أمام الشباب للوصول إلى الأسواق المحلية والإقليمية. فالمعرفة لا تتحول إلى قيمة اقتصادية بمجرد اكتسابها، وإنما حين تجد البيئة التي تسمح بتطبيقها وتسويقها وتطويرها. وهنا تبرز أهمية الحواضن الأهلية ومؤسسات المجتمع المدني بوصفها شريكاً في اكتشاف المبادرات واحتضانها، فيما يستطيع القطاع الخاص أن يوفر الخبرة والتدريب وفرص التشغيل والتمويل والاستثمار، لتتكامل هذه الأدوار ضمن مسار وطني يجعل الشباب شركاء في الإنتاج لا مجرد مستفيدين من البرامج.
كما أن تمكين الشباب لا يكتمل بالمشاركة الاقتصادية وحدها؛ إذ يحتاج الأردن إلى جيل يمتلك أدوات القيادة والمسؤولية العامة، ويشارك في تطوير مجتمعه المحلي، ويستطيع تحويل العمل التطوعي إلى مبادرات مستدامة ذات أثر. ولذلك تكتسب البرامج التي تنمي روح القيادة والعمل الجماعي والمشاركة المجتمعية أهميتها، لأنها تسهم في بناء رأس المال الاجتماعي، وتعزز الثقة بقدرة الشباب على تحمل المسؤولية والمشاركة في صناعة القرار.

إن التحدي الحقيقي أمام المرحلة المقبلة يتمثل في توسيع أثر هذه التجربة، ونقل نماذجها إلى المؤسسات التعليمية والتدريبية والقطاعات الإنتاجية، مع مراعاة الفروق بين المحافظات واحتياجاتها. فقياس النجاح لا ينبغي أن يقتصر على أعداد المستفيدين أو الدورات المنفذة، بل يجب أن يشمل فرص العمل المستدامة، ونوعية المهارات المكتسبة، والمشروعات التي استطاعت الاستمرار والنمو، ومدى مساهمة الشباب في رفع الإنتاجية وتوسيع قاعدة الاقتصاد الوطني. كما أن نجاح الشراكات يُقاس بقدرتها على توفير فرص فعلية، وتوزيع الأدوار بوضوح، وضمان استمرارية الدعم بعد انتهاء البرامج.

عشر سنوات من عمل مؤسسة ولي العهد تفتح الباب أمام مرحلة جديدة، تتقدم فيها هندسة الإنسان على إدارة البرامج، وتصبح فيها المعرفة أداة للإنتاج، والابتكار مدخلاً للاستثمار، والشراكة وسيلة لتوسيع الأثر. وهي فرصة لمواصلة رؤية ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني في تمكين جيل قادر على التعامل مع التحولات العالمية، وصناعة الفرص من داخل الأردن وخارجه.

فالأردن لا يحتاج إلى شباب ينتظرون الوظيفة فحسب، بل إلى شباب يمتلكون القدرة على إيجادها، وإلى مؤسسات تتيح لهم تحويل المعرفة إلى عمل، والطموح إلى مشروع، والإبداع إلى قيمة مضافة. ومن هنا، فإن الاحتفاء بعقد مؤسسة ولي العهد هو احتفاء بإرادة النشامى حين تجد حواضن العمل، وبالشراكة حين تتحول إلى إنتاج، وبفكرة وطنية يصبح فيها الاستثمار في الإنسان أساساً للتنمية، وهذا ما ذهبت اليه فى كتابي فى هندسه الطاولة السياسيه فى باب الموارد البشريه كونه الاساس فى ترجمة رؤيه الحسين ولي العهد ويغدو تمكين الشباب أحد مسارات هندسة المستقبل الأردني.

قد يعجبك ايضا