حادثة قرية حمود، رصاصة في قلب الوطن عصام أ. كرك

الشعب نيوز:-

ر

كل أردني شريف ووطني يعلم أن ما حصل يوم الجمعة الماضي في قرية حمود بمدينة الكرك ليس مجرد حادثة عابرة، بل جرح عميق أصاب الأردنيين جميعا، فلم نتوقع يوما أن تمتد يد الغدر والأجرام لتصيب بيتا من بيوت الله في وطني الغالي الأردن، ولم يخطر ببال أحد أن هذه المدينة الجميلة العريقه الكرك رمز النضال والبطولة ستشهد جريمة يوجه فيها أشخاص السلاح ألى أبناء عمومتهم ويقتلونهم غدرا داخل كنيسة مار جيورجيوس للروم الأرثوذكس في قرية حمود.
إنهم أبناء الكرك، الذين ارتبط اسم مدينتهم بتاريخ عريق من البطولة والشهامة، وأبناء الأرض التي شهدت محطات مفصلية في تاريخ المنطقة، وأهل الهيّة والنخوة الذين طالما جسّدوا قيم العزة والكرامة والرجولة، كيف يمكن أن تطال رصاصات الغدر أبناء الكرك داخل كنيستهم، وفي لحظة وداع حزينة، اجتمعوا فيها لتشييع جثمان إنسانة عزيزة؟. كيف يمكن أن يتحول بيت الصلاة، الذي يُفترض أن يكون ملاذًا للأمان والمحبة والسلام، إلى مكان تسيل فيه دماء الأبرياء؟.
إن أبناء الكرك، بما يمثلونه من قيم أصيلة، هم جزء لا يتجزأ من أبناء الأردن جميعًا، الذين تجمعهم العزة والكرامة والشهامة، وتربطهم أواصر الأخوة والانتماء إلى هذا الوطن الغالي.
ما حدث في الكرك جريمة يندى لها الجبين، ويعتصر القلب ألمًا لما خلّفته من مآسٍ وأحزان، فقد أصابت رصاصات الغدر أربعين شخصًا، وفقدنا تسعةً من خيرة أبناء الوطن في حادث أليم ترك جرحًا عميقًا في قلوب ذوي الضحايا وأبناء المجتمع الأردني بأسره.
إن أخطر ما يمكن أن تخلّفه مثل هذه الجرائم ليس عدد الضحايا وحده، بل ما قد تزرعه من خوف وشكوك وانقسامات بين أبناء المجتمع الواحد، وهنا تبرز مسؤوليتنا جميعًا في رفض خطاب الكراهية، والابتعاد عن التعميم، وعدم السماح للجريمة بأن تتحول إلى شرخ بين العائلات أو العشائر أو أبناء الطوائف المختلفة، فالأردنيون، مسيحيين ومسلمين، تجمعهم أرض واحدة وتاريخ مشترك ومصير واحد، وأي اعتداء على مواطن أردني هو جرح يصيب الوطن بأسره.
إن الألم الذي خلّفته هذه الحادثة لا يمكن أن تبدّده الكلمات وحدها، ولا أن تعالجه الدعوات إلى النسيان أو التسامح الشكلي، فالعدالة، ومحاسبة المسؤولين وفق القانون، وإنصاف الضحايا وذويهم، هي الأساس الذي تُبنى عليه الثقة من جديد، فأكثر ما ألمني الى جانب الجريمة نفسها، أن أقرأ هذا الكم من التعليقات المسيئة، وأن أرى بعض الأقلام التي بدلاً من أن تواسي أهل الضحايا وتضمد جراحهم، راحت توجة اللوم إلى المسيحيين، بل وصل الأمر ببعضهم إلى مطالبتنا بالتخلي عن أيماننا ومعتقداتنا حتى نتمكن من العيش مع الأخرين!.
وهنا أسأل أهذة الحلول التي نقدمها لمواجهة الكراهية؟. وهل يصبح حق الأنسان في الحياة والأمان مشروطا بتخلية عن أيمانة؟. وهل يقبل أحد منا أن يُطلب منة التخلي عن دينة ومعتقداتة ليحظى بحق العبش في وطنة؟.
إن المواطنة ليست منّة من أحد، والانتماء إلى الأردن لا يُقاس بدين الإنسان أو طائفته، بل بحقه في أن يعيش حرًّا كريمًا، متساويًا في الحقوق والواجبات مع سائر أبناء الوطن، نحن لا نطلب امتيازات خاصة، ولا نريد أن نكون فوق القانون، بل نطالب بحقنا الطبيعي في الأمن والكرامة والاحترام، شأننا شأن كل أردني وأردنية.
أما ما يؤلمني أكثر، فهو أن تتحول بعض المنابر الإعلامية إلى مساحات تُطرح فيها حلول نظرية لا تلامس عمق المشكلة، أو تُستضاف فيها شخصيات نحترمها ونقدّرها، لنستمع إلى أحاديث لا ترتقي إلى حجم المأساة التي نعيشها، إن معالجة خطاب الكراهية لا تكون بالشعارات وحدها، ولا بالاكتفاء بدعوة الناس إلى المحبة والتسامح، بل بمواجهة الأسباب الحقيقية التي تسمح لهذا الخطاب بالانتشار.
وقد استمعت إلى لقاء تلفزيوني مع أحد الشيوخ الأفاضل، طالب خلاله بتدريب خطباء المساجد وتثقيفهم على نبذ خطاب الكراهية، وهي دعوة تستحق الاهتمام، لكنني أقول بكل احترام، إن البداية يجب أن تكون من مراجعة كل خطاب مسيء يصدر عن أي منبر ديني، ومواجهته بوضوح ومسؤولية، سواء استهدف المسيحيين أو المسلمين أو أي فئة من فئات المجتمع.
نحن لا نريد الإساءة إلى أحد، ولا نضع رجال الدين جميعًا في موضع الاتهام، لكننا نرفض أن يُطلب منا تحمّل الإساءة بصمت، بينما يُكتفى بدعوتنا إلى التسامح، إن احترام الآخر ليس خيارًا انتقائيًا، بل واجب أخلاقي ووطني، يبدأ من الكلمة التي تُقال أمام الناس، ومن الخطاب الذي يصل إلى البيوت عبر مكبرات الصوت ووسائل الإعلام.
دعونا نداوي جراحنا بكرامة، ولنبدأ جميعًا بمراجعة الخطاب الذي يجرح مشاعر الآخرين ويمسّ بحقهم في الإيمان والعيش بأمان، فالمحبة لا تُفرض على الناس بالكلمات، بل تُبنى بالاحترام المتبادل والمواقف الصادقة.
إن التسامح قيمة نبيلة، لكنه لا يعني التنازل عن الحق، كما أن المصالحة الحقيقية لا تقوم على إخفاء الجريمة، بل على الاعتراف بها، وتحقيق العدالة، ومنع تكرارها، ومن هنا، فإنني أطالب مؤسساتنا الأمنية، ودائرة المخابرات العامة، وسائر الجهات المختصة، التي نكنّ لها كل المحبة والتقدير، بالتعامل بحزم مع كل من يحرّض على الكراهية أو يهدد السلم المجتمعي، ضمن أحكام القانون وضمانات العدالة، بصرف النظر عن دينه أو انتمائه أو موقعه.
لقد سئمنا أن تتكرر في كل مناسبة، وفي الأعياد وحتى في حالات الوفاة، عبارات تجرح مشاعرنا وتشكك في انتمائنا، من قبيل لا تعايدوهم في أعيادهم، ولا يجوز الترحم على موتاهم، قد يراها قائلها مجرد كلمات، لكنها بالنسبة إلى من يسمعها تحمل رسالة إقصاء ورفض، وتترك في القلب جرحًا يصعب تجاهله.
إن حرية الاعتقاد والتعبير لا تعني منح أحد الحق في إهانة الآخرين أو الانتقاص من كرامتهم، ومن واجبنا جميعًا أن نرفض التحريض، وأن نواجه الإساءة بالحجة والقانون، لا بالإساءة المضادة أو الانتقام، فالدولة القوية هي التي تحمي جميع مواطنيها، وتضمن ألا يتحول الاختلاف الديني إلى سبب للتمييز أو التهديد أو العداء.
كما أتوجه إلى رؤساء الكنائس ورجال الدين المسيحي من مختلف الطوائف، داعيا إياهم إلى التعامل مع تداعيات هذه الحادثة بكل وعي ومسؤولية، والوقوف ألى جانب أبناء رعيتهم لا سيما الشباب، وتعزيز شعورهم بالأمان والأنتماء، حتى لا تتحول مشاعر الخوف والإحباط إلى أفكار تدفعهم نحو الهجرة وترك الوطن.
إن هجرة الشباب وأصحاب الكفاءات ورؤوس الأموال ليست خسارة لعائلاتهم وحدها، بل خسارة للأردن كله، الذي يحتاج إلى جميع أبنائه للمشاركة في بنائه وتقدمه، لكن التمسك بالوطن لا يتحقق بمطالبة الناس بالبقاء فحسب، بل بتوفير بيئة يشعر فيها كل مواطن أن كرامته مصانة، وأن حقوقه محفوظة، وأن مستقبله لا يتوقف على دينه أو معتقده.
نحن أبناء هذا البلد، ولسنا طارئين عليه أو ضيوفًا فيه، لنا فيه جذور تمتد عبر قرون طويلة، وفيه عاش أجدادنا، وبنينا بيوتنا، وأقمنا كنائسنا، وشاركنا أبناء وطننا في مسيرة الحياة والعمل والبناء، وقد فتح الأردنيون أبوابهم عبر التاريخ لإخوتهم القادمين من أماكن مختلفة، وتقاسموا معهم الأرض والخبز والأمل، وسيبقى هذا الإرث الإنساني مصدر فخر لنا جميعًا.
فإن تمسكنا بالأردن ليس مجرد عاطفة، بل هو قرار بالاستمرار في المشاركة في بنائه، والدفاع عن وحدته، والمطالبة بالعدالة لكل أبنائه. نتمسك بهذا الوطن وقيادته الهاشمية، ونقدّر موقف جلالة الملك الذي كان في مقدمة من وصلوا إلى الكرك للوقوف إلى جانب أبنائها في محنتهم، ونأمل أن تترجم مشاعر التضامن إلى خطوات عملية تعزز أمن المواطنين وتحمي حقوقهم وتصون كرامتهم.
إن الرصاصة التي أصابت أبناء الكرك لم تصب أجساد الضحايا وحدهم، بل أصابت قلب الوطن كله، ووضعتنا أمام امتحان حقيقي لقيمنا الوطنية والإنسانية، ومن واجبنا أن نمنعها من إصابة مستقبلنا أيضًا، وأن نثبت أن الأردن أقوى من الفتنة، وأن الأخوّة الوطنية أعمق من كل خلاف، وأن دماء الأبرياء لن تكون سببًا لمزيد من الدماء، بل دافعًا لبناء وطن أكثر أمنًا وعدلًا وتماسكًا.
لن نواجه الكراهية بكراهية مضادة، ولن نطالب بالانتقام، بل نطالب بالعدالة، ولن نتخلى عن إيماننا أو عن حقنا في وطننا، بل سنتمسك بهما بكرامة ومسؤولية، فالأردن ليس ملكًا لفئة دون أخرى، ولا وطنًا لدين دون غيره، بل هو وطن جميع أبنائه، بمسيحييه ومسلميه، بتنوعهم واختلافهم، وبما يجمعهم من تاريخ ومصير مشترك.
ستبقى الكرك جزءًا أصيلًا من وجدان الأردن، وستبقى كنائس الأردن ومساجده بيوتًا للعبادة، تجمع أبناء الوطن تحت سماء واحدة، لا يجوز أن تكون ساحات للخوف أو الكراهية، لكن الجرح الذي خلّفته هذه الحادثة يضعنا أمام مسؤولية كبيرة أن نواجه العنف بالحكمة، والكراهية بالمحبة، والثأر بالعدالة، والانقسام بالوحدة الوطنية، وستظل مسؤوليتنا جميعًا أن نحمي هذا الوطن من الفتنة، وأن نصون كرامة الإنسان، وأن نثبت أن الأخوّة الوطنية أقوى من كل خلاف، وأن دماء الأبرياء يجب أن تكون دافعًا لبناء دولة أكثر عدلًا وأمانًا وتماسكًا.

قد يعجبك ايضا