الطائر المهاجر… سعيد ذياب سليم

الشعب نيوز:-

كنت عائدًا من محمية الأزرق المائية، وفي طريقي إلى لقاء أخي، راقبت اللقالق تحلّق في السماء. ترى، هل تبحث عن بركة ماء تألفها، أم عن خربشاتها التي تركتها على الرمل في الموسم الماضي؟
هكذا هم العائدون من السفر! يجمعون رحيق الذكريات من حدائق العمر حين يصلون، ثم تحملهم الريح ويرحلون.
كان لقاؤنا به حارًّا مشحونًا بالعواطف؛ تصافحت الأيدي، والتقت الأحضان، وتعانقت القلوب، وأشرقت في العيون دمعة حائرة.
جلس أخي بيننا في حلقة كبيرة، وسّعها الشوق، وانطلقت الألسن تسأل عن الأحوال، وتسرد الحكايات، وتستعيد ما حدث يوم أن حدث ما حدث. جدّ وهزل وطرافة، كأنها ليلة العيد.
فالعائد سندباد، طاف في البلاد شرقًا وغربًا، وعاد محمّلًا بجواهر القصص ونوادر الحكايات.
تحدّثت إليه:
— هيا، اسرد علينا أحد المقالب التي حدثت معك.
— ليس طريفًا، لكن هذا ما وقع لي.
واستطرد قائلًا:
— تعوّدت أن أركض ساعة يوميًّا، أبدأ في الخامسة صباحًا، أدور خلالها دورتين حول مجمّع المكاتب الذي تقع فيه الشركة، قبل بدء ساعات العمل.
قلت مستحسنا ذلك:
— جميل.
ثم أكمل:
— كان النهار يطلّ علينا في هذا الوقت خلال الصيف، فنرى الأشياء من حولنا بوضوح. لكن الخريف حلّ، وصار النهار يتأخّر، وطالت فترة الظلمة.
في ذلك اليوم، وبينما كنت أقطع الطريق في نهاية الدورة الثانية، لم أرَ السيارة القادمة من بعيد بسبب الظلام، ويبدو أن سائقتها لم ترني بسبب ملابسي السوداء. كانت تستعد للاصطفاف في الكراج الذي أمرّ من أمامه، حين باغتتني وصدمتني، فقذفت بي أمتارًا قليلة إلى الأمام.
— أف! صرخ أحدهم.
— يا لطيف! صاح آخر.
— أنت تمزح! هل أصابك شيء؟ استفسرت.
— واصلت السيارة سيرها باتجاهي، فزحفت مبتعدًا عنها هربًا من عجلاتها.
— يا إلهي! تمتم أحدهم.
— توقفت على بعد أمتار، ونزلت منها فتاة كانت تقودها. وما إن رأتني حتى ارتبكت وانهارت بالبكاء. صرخت:
«يا إلهي! ماذا فعلت؟ حسبت أنني صدمت حيوانًا ضالًّا.»
— كنت قد سقطت على جانبي الأيسر. حاولت النهوض، لكنني لم أكن متزنًا، وكان الألم شديدًا.
لاحظت ارتباك الفتاة وتأثّرها بما جرى، حتى خُيّل إليّ أنها هي المصابة، لا أنا. تمالكت نفسي، وطلبت منها أن تجلس معي على الرصيف، إذ لم أعد أقوى على الوقوف. أخذت أحدثها حتى هدأت، ثم حاولت الاطمئنان إلى إصابتي.
«علينا أن نطلب الإسعاف.»
لكنني رفضت. لم تكن هناك جروح ظاهرة، مع أنني كنت أشعر بآلام في مواضع متفرقة.
— وهل يُعقل هذا؟ ثم ماذا حدث؟
أردت أن أعرف.
— جلسنا لبعض الوقت. طلبت هي أن نتبادل أرقام الهواتف لتتابع حالتي، لكنني رفضت أيضًا، وفضّلت ألّا أترك نافذة مفتوحة أمام الريح.
— حادث خطير! كان من الأفضل أن تذهب لإجراء صور شعاعية.
— الحمد لله، لم أشعر بعد ذلك إلا ببعض الرضوض.
ثم أرانا رضّةً ما زالت ظاهرة على كاحله الأيسر.
— كان في مبنى الشركة صالة رياضية ومرافق للاستحمام. استحممت وغيّرت ملابسي، ثم بدأت عملي، وظللت أراقب حالتي حتى العاشرة صباحًا. وحين اطمأننت، اتصلت بزوجتي وأخبرتها بما حدث.
ومن يومها، صرت أركض في صالة الألعاب على جهاز الجري.
تعالت من حوله صيحات الدهشة والاهتمام، وكأن الحكاية وقعت أمامنا للتو.
لامه بعضهم على إهماله، وخفتت الضحكات، وخيّم على المجلس شيء من الشجن.
فانبرت أختنا الكبرى لتخفف عنا؛ فمن عادتها أن ترشّ ماء الورد وتزرع البسمات. ثم قالت:
— هل تذكر ما فعلناه بدراجتك الجديدة؟
— لم أنسَها أبدًا، قال ضاحكًا.
— كنتَ الطفل المدلّل آنذاك. اشترت لك أمي دراجة صغيرة.
فدنا من أمي، وقبّل يدها، واحتضنها بحنان.
— فأحببنا أن نشاركك فرحتك ونحتفل بها معك، أضافت أختنا الكبرى.
— نعم، قال، وهو ينظر إلى وجوه إخوته الكبار ويهزّ رأسه.
— لكنها لم تحتمل أوزاننا الكبيرة، فتحطّمت.
— صحيح! فقد كانت مصمّمة لطفل في مثل حجمي آنذاك، لا لفتيات بأحجامكنّ!
وضحكنا جميعًا للذكرى.
سأله ابن عمه ، معلّم الرياضيات:
— أما زالت تقودك نزعة البحث والاكتشاف؟
— أوه… يمكنك أن تقول إنها تجعل للعمل قلبًا ينبض.
— هل تذكر يوم اكتشفت قاعدة في اللوغاريتمات؟
— نعم، لكنك أحبطتني.
— كانت صياغة أخرى لقانون معروف، وقد أوضحت لك ذلك فحسب. لكنك كنت ذكيًّا.
— أشكرك.
— رغم أن لك شطحات غريبة!
— وكيف ذلك؟
— مثلًا، طلبنا منك أن تروي مقلبًا طريفًا، فحكيت لنا مأساة! وأذكر يوم زرت متحف اللوفر، سألناك عن أجمل قطعة أعجبتك، فقلت بلهجة الخبير: «المبنى… المبنى شيء مذهل، بضخامته وتصميمه!».
فضحك وضحكنا، ودارت في المجلس فناجين الحكايات؛ لكل حكاية مذاق مختلف، بعضها محلّى وبعضها مرّ.
كانت أمي أسعدنا جميعًا، وعيناها تبرقان حنانًا. فإذا نظرت إليهما، خُيّل إليّ أن الكلمات والمعاني تصلها من بعيد. وكان الأسى يعتمل في روحي، وأنا أرفض تصديق أن ذاكرة أمي قد تراجعت.
مرّت أيام قليلة، وانتهت الإجازة، وعاد الطائر المهاجر إلى توضيب حقيبته.
حمل معه باقة من الزعتر، وحفنة من دموع أمي بطعم الشوق، ونظرتها الحائرة، ودعوتها: «الله يرضى عليك».
وتعلّق في نفسي سؤال:
ترى، لماذا نسافر؟ أم أن الارتحال في الصحاري أورثنا الحزن، وجعلنا نتعلّق به؟
في ليلة الوداع، انتظم العقد كما كان في الليلة الأولى، لكن الفراق نثر في عيوننا حزنًا كرماد تحمله الريح.
حاول أكبر إخوتي أن يغنّي في وجه الحزن؛ فالغناء يداعب الألم ولا يفتح الجرح.. خرجت الكلمات من صوته ممتزجة بالأمل والألم.
«زروني كل سنة مرة…»
تشجّع الجميع وردّدنا معه:
«بلاش تنسوني بالمرة».
ثم أعدناها مرّات، كأننا نحاول بالكلمات أن نعالج الدمع.
وبعد أن خرج، صمت البيت، ولم يُسمع فيه إلا تنهيدة أمي التي اعتادت الصبر.
وفجأة، صرخ أحدهم:
— نسي علبة سجائره!
— كلا، إنها طريقته في القول: أذكروني.
سعيد ذياب سليم

قد يعجبك ايضا