مسرحية حدث في الجنة مكابدات ومقامات

31

سليم النجار

قدمت فرقة “مسرح عالخشب” في الفترة من٦/٢ إلى ٦/٢٩ على المسرح الثقافي الملكي في عمّان عرض مسرحية “حدث في الجنة”، من تأليف وإخراج زيد خليل مصطفى، وشارك في التمثيل الفنان خليل شحادة والفنان خليل مصطفى، وكلٍ من الفنانات نهى سمارة وفداء أبوحمّاد، والفنانة لونا الحكيم ودنيا زعتر ، والفنان باسم الحمصي ، والفنان صلاح عيسى ، ومصمم الإضاءة ماهر الجريان، ومنهدس الصوت سيف الخلايلة.
-١- إن قاعدة أي اقتباس هي عملية تغيير أسماء الشخصيات. وهي عملية بسيطة لكن تأثيرها سحري غالباً. إذ يكفي المقتبس أحيانا أن يعيد تسمية الشخصيات والأحداث من جديد لتفقد هويتها، أو على الأقل بعض ملامحها. ومن ثم يبدأ الإسم الجديد يلقي بإشعاع أصالته على المسرحية كلها:
ونلاحظ أن شخصيات “حدث في الجنة”_ وهو نوع مبني على الدراما الحزينة من المواقف والكلمات_ شخصيات مقولبة مما يسهل العملية الأولية للعرض المسرحي.
إنّ عملية العرض في “حدث في الجنة” قائم على شخصيات منفعلة معتمدة على الصوت في ظل غياب حركة الجسد، وإن حاولت دانيا زعتر تعويض هذا الخلل من خلال تقديم لعبة شعبية مستقاة من التراث العربي والفلسطيني على وجه التحديد، بينما عملت جاهدة الممثلة فداء ابوحمّاد وكذلك نهى سمارة ولونا حكيم تقديم شخصيات مختلفة كدور الأم وزوجة الشهيد “وضاح” الذي تبادلا على دور الشهيد الفنان خليل شحادة والفنان خليل مصطفى، جميعهم كان الصوت هو الممثل الحقيقي في غياب كامل لحركة الجسد.
-٢- نستطيع أن نسمي مسرحية “حدث في الجنة” مسرحية الشخص الواحد، معتمدة على توظيف عدة وسائل تكتيكية ثانوية تشكل في نفس الوقت عناصر أساسية كالملابس، الذي أصر كاتب النص ان تكون بيضاء كدلالة أسطورية “الملائكة”.
هذه الوسيلة التكنيكية توظّف لتأجيل ظهور الشخصية الرئيسة لإتاحة الفرصة لتقديم صور لها على لسان بقية الشخصيات الرئيسة على المسرح ، يبدأ بسماع صوتها العالي في الكواليس قبل دخولها المسرح، وغالباً ما يكون هذا الدخول صاخباً. هذه الوسيلة التكنيكية تؤجل مرحلة العرض الحقيقي في البناء الدرامي للمسرحية، لكن ما شاهدناه عكس ذلك تماماً، حركات إرتجالية غير مدروسة قائمة على خطاب منفعل لا علاقة له بتقنيات النص المسرحي، وكأننا أمام خطاب سياسي.
-٣- إطالة الحديث: وهي وسيلة تستخدم لإطالة حديث الشخصيات الرئيسة، ويكون ذلك بإضافة التعليقات الساخرة ذات المغزى السياسي والسرد الساخر، ولعل من أفضل ما نجده مشحوناً بكل هذا المشهد العربي بين فكرية كاتب النص المسرحي والواقع المرير لواقعنا إشكالية التكرار في الطرح على صعيد الأفكار، ولم يستطيع المخرج_ كاتب النص نفسه_ أن يتجاوز هذه المعضلة بإلاستفادة من حماس الممثلات، اللواتي حاولن جاهدات عمل موائمة بين أصواتهن وحركة أجسادهن على خشبة المسرح، وهذا ليس عملهن بل هو دور المخرج، فالأصل أن الممثلات والممثلين بطبيعة الحال عجينة طيّعة لرؤية المخرج، وهذا ما لم يحدث.
-٤- التعميم: هو وسيلة تكنيكية تكمن في الانتقال بالخاص إلى العام. التي توضح أكثر ما يكون في توظيف هذه الوسيلة، فوضّاح الشهيد الذي تناوب على تجسيده خليل شحادة وخليل مصطفى، من تصوير درامي معتمد البعد الزمني، وإن حاول المخرج على فكرة الزمن، إلا أن الفكرة_ فكرة تناوب الزمن_ أربكت المشاهد لسبب بسيط: لم تكن هناك دلالات للتعريف بالزمن المقصود كتوظيف الملابس على سبيل المثال، ورغم محاولته الاعتماد على الموسيقى من خلال تقديم وصلة غنائية تراثية، لكن هذا التوظيف لم يخدم فكرة التعميم، لأن الموسيقى التراثية صالحة لكل زمان، وليست علامة فارقة للتعريف بالحقبة التاريخية.
-٥- التراكيب: تهدف هذه الوسيلة التكنيكية إلى توظيف عنصرين مستمدين من مصدرين مختلفين لكنهما يتميزان بخصائص مشتركة للعمل المسرحي وصالحين معاً في تركيب درامي جديد. وهذه الوسيلة التكنيكية تستخدم في مجال الحبكة وفي مجال التصوير. وهذا ما لم نتلمسه في “حدث في الجنة” فالحبكة غير موجودة، فليس الحديث عن القضية الفلسطينية ببعض التفاصيل يمكن إعتباره حبكة. اأو الاعتماد على إعادة صياغة الأحداث بلغة شاعرية لفتح المجال للخيال في لعب دور الحبكة، فالعرض المسرحي بالدرجة الأولى قائم على المشاهد البصرية المباشرة.
-٦- العكس: هو وسيلة تكنيكية عرفها المسرح العربي، وقد برع فيها الريحاني، الذي سعى إلى إثارة رد الفعل السيكولوجي غير المنتظر منطقياً من شخصية البطل، فالبطل محصور دائماً في سلسلة من الورطات والتعقيدات التي يدفعه إليها المؤلف بالعديد من الوسائل التكنيكة. وقد نجح المخرج بهذا التوظيف في دفع الأفعال والأقوال التي تأتي دائماً للغمز واللمز.

-٧-الضجيج : “حدث في الجنة” مسرحية وثائقية مستقاة من القضية الفلسطينية، تمتلأ بالضجيج لدرجة أنه كان على الممثلين دائماً أن يصرخوا بصوت أعلى من صوت الأجزاء المتحركة لجسد الممثل، وتطوّر هذا الأسلوب من الأداء التشخيصي مسميّاً إياه التمثيل الموضوعي، وعكس هذا الأسلوب الوسيلة التي قام بها المسرح الياباني وعُرف بمسرح الشخص الواحد، وقدمت عُروض عديدة في برلين العام ١٩٣٠ لخدمة المناخ السياسي السائد آنذاك “البطل الملهم” وفي الواقع كان التمثيل الموضوعي يعني أن الممثلين يجب أن يتوجهوا إلى الجمهور أكثر من أي شيء آخر. وقد نجحت المسرحية في هذا الأسلوب، كما كتابة النص في تقديم البطل الشهيد، على عكس ما عرفه المسرح العالمي وعلى وجه التحديد الياباني ” الكابوكي”.
مسرحية “حدث في الجنة”هي مسرحية وثائقية تتناول القضية الفلسطينية، وكاتب النص المسرحي زيد خليل مصطفى اختار موضوعه لهذا النوع من المعالجة لأنه يريد أن يدعو إلى وجهة نظر مؤيدة لإطروحاته.
إنها مسألة حفظ توازن فني بين الحقيقة والخيال، بين الصدق والتصور، عندما اكتشفها شكسبير منذ أمد بعيد عندما كتب مسرحياته التاريخية.

قد يعجبك ايضا