بعد أن زار السادات الكنيست ذاته.. ماذا جرى في نهر التطبيع الراكد؟

39

الشعب نيوز

حين فجّر الرئيس المصري الراحل أنور السادات “قنبلته السياسة” بزيارته إسرائيل، ظن البعض أن قطار التطبيع مع دولة الاحتلال غادر موقعه إلى غير رجعة، لكن بعد أكثر من 4 عقود لا تزال العلاقات المصرية الإسرائيلية تراوح محطتها الدبلوماسية، وبدا أن الوصل للشعب المصري -على غرار باقي الشعوب العربية- حلم صعب المنال.

هذه الخلاصة أكدها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بقوله إن الزعماء العرب ليسوا عائقا أمام توسيع علاقات إسرائيل مع جيرانها من الدول العربية، موضحا -في كلمة له ألقاها أمام الكنيست الإسرائيلي عام 2017- أن الحاجز الذي تصطدم به إسرائيل وتخشاه دائما هو الشعوب العربية.

وعلى مدى سنوات طوال، كانت النقابات المهنية على رأس الجهات غير الرسمية الرافضة للتطبيع، لدرجة وصْفها -من جانب دراسة صدرت العام الماضي عن معهد أبحاث الأمن القومي التابع لجامعة تل أبيب- بالعقبة المركزية أمام العلاقات بين مصر وإسرائيل.

إلى جانب الرفض الشعبي للتطبيع مع إسرائيل، مثّلت جبهة الرفض العربي لاتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية واحدا من أبرز أسباب التعثر في العلاقات بين القاهرة وتل أبيب -برأي مراقبين- إذ فاضل نظام الرئيس الراحل حسني مبارك بين خسارة الدعم الخليجي لو مضى في التطبيع لأقصى مدى، ومكاسبه لو مضى فيه بخطوات محسوبة.

اعتبر نظام مبارك مما لحق بنظام سلفه الرئيس الراحل أنور السادات من مقاطعة عربية، عقب زيارته القدس المحتلة في مثل هذا اليوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني منذ 45 عاما التي شكلت صدمة للشعوب العربية، ودفعت الأنظمة العربية لمقاطعة مصر التي يبدو أنها دُهشت من الموقف العربي وقتها، وليست إسرائيل التي قال السادات في جملته الشهيرة إنها ستُدهش عندما يعلن استعداده لزيارة الكنيست ذاته.

فلماذا لم تنجرف مصر الشعبية والرسمية نحو التطبيع بعد زيارة السادات للقدس المحتلة؟ وما الذي جنته مصر من علاقاتها مع إسرائيل؟ ولماذا ظلت العلاقات المصرية الإسرائيلية محدودة وتتمحور حول القضية الفلسطينية؟

عائق الشعوب

في هذا السياق، يؤكد البرلماني طارق السعيد أن ما يحول بين إسرائيل وإقامة علاقات طبيعية كاملة مع الدول العربية وعلى رأسها مصر -رغم كل المتغيرات- هو استمرار الممارسات الإسرائيلية العدوانية العديدة التي بدأت بعد معاهدة السلام، واستمرت حتى اغتيال مراسلة الجزيرة شيرين أبو عاقلة، وما سبقها من جرائم يحميها الفيتو السياسي في مجلس الأمن الدولي.

واعتبر البرلماني المصري أن كل تلك الممارسات المرفوضة من قبل الشعوب العربية، “طالما استمرت كل هذه السنوات بهذا المنهج، فإنها تشكل عائقا أمام التقدم علي المسار السياسي”، وتساءل: “كيف يغامر السياسيون بشعبيتهم إزاء ممارسات تكتسب أعداء جددا علي الأرض باستمرار؟”.

وقال طارق السعيد إنه من الممكن أن تكون هناك المصالح وبعض التنسيقات اللوجستية والاقتصادية المرتبطة في اتفاقية السلام بالنواحي الأمنية، معربا عن اعتقاده بأنه لن تتحقق أي استفادة اقتصادية مهما كانت، إلا بحل القضية الفلسطينية.

وحول المكاسب الاقتصادية لإسرائيل من التطبيع، يؤكد المتحدث أنه إذا كانت المفوضية الأوروبية قد أعلنت -في المؤتمر الصحفي بالقاهرة- ترتيبات ومصالح اقتصادية في الطاقة يستفيد منها أطراف المنطقة، فإن ذلك يأتي في إطار دولي وليس في إطار ثنائي.

أبعاد متداخلة

بدوره، يرى المحلل السياسي والأمني، أحمد مولانا، أن مسيرة التطبيع مع إسرائيل منذ زيارة السادات للقدس تعثرت، لاصطدامها برفض شعبي له أبعاد دينية، موضحا أن المتغيرات الأخيرة، بدخول المال الإماراتي لدعم عمليات التطبيع، أثرت على مسيرة التطبيع المصري الإسرائيلي ولها أبعاد متداخلة.

ومضى موضحا أنها، من جهة، تعد سلبية باعتبار أنها تفتح علاقة مباشرة للخليج مع إسرائيل وتضعف من دور مصر كوسيط بين الفلسطينيين وإسرائيل. ومن جهة أخرى، فإن هذه المتغيرات إيجابية، بجعل الدول المطبعة كتلة تنخرط في ملفات أكبر، مثلما حدث في قمة النقب خلال العام الجاري ومنتدى الغاز.

وأكد مولانا -في حديثه للجزيرة نت- أن المستفيد الأول من التطبيع الثنائي مع إسرائيل هو النظام السياسي المصري، وذلك عبر تحقيق علاقات سياسية واقتصادية مع دولة الاحتلال، وتدعيم مكانته لدى الغرب باعتباره “مساهما في تأمين إسرائيل والحفاظ على مصالحه”.

واعتبر مولانا أن التطبيع بين مصر الرسمية وإسرائيل تحول في السنوات الأخيرة إلى نوع من الشراكة، كما هي الحال في ملف الغاز وتسييله وتصديره لأوروبا. أما على المستوى الشعبي، فلا يزال يُنظر إلى إسرائيل على أنها عدو تاريخي يحتل أراضي عربية.

تاريخ من الرفض

وعلى مدار أكثر من 4 عقود، منعت عقبات شتى مسيرة التعاون الكامل بين مصر وإسرائيل، بلغت حد استخدام العنف من قبل منظمات مسلحة ضد شخصيات إسرائيلية وأخرى متعاونة مع إسرائيل مطلع ثمانينيات القرن المنصرم.

في المقابل، بلغ الاحتفاء الإسرائيلي بأي تقدم درجة إبراز أي خبر يتعلق بأي نشاط إسرائيلي هامشي بالبلاد، ولو كان حفلا في مكان مغلق تظهر في خلفيته أهرامات الجيزة الشهيرة، وذلك عقب تراجع إسرائيل عن محاولات التغلغل في الوسط الثقافي، إثر مشاركة نادرة لإسرائيل في معرض القاهرة الدولي للكتاب، تظاهر ضدها جمهور المعرض وقاطعها.

ورغم ما جنته مصر وإسرائيل من مكاسب اقتصادية في مجالات شتى كالسياحة والطاقة والزراعة، فإن هناك حرصا على إخفاء أسماء رجال الأعمال المشاركين في تلك الأنشطة، خوفا على مصالحهم بمصر واستهدافها بالمقاطعة، حسب مراقبين.

وعلى رأس مكاسب إسرائيل من مجالات التعاون الاقتصادي، يأتي الغاز ليمنح إسرائيل وضعا إقليميا متصاعدا بعد اتفاقيات لتصدير الغاز إلى مصر مطلع 2020.

وتأتي تلك الخطوة رغم اكتشافات حقول الغاز الضخمة التي أعلنت عنها وزارة البترول المصرية، مما دعا محللين للتساؤل عن سر قيام مصر باستيراد الغاز الإسرائيلي ثم تسييله وتصديره، رغم أنها يمكنها تسييل ما لديها من غاز مكتشف حديثا بكميات ضخمة.

وقدرت قيمة الصفقات بين مصر وإسرائيل بنحو 19.5 مليار دولار على مدى 15 عاما، في مسعى منهما للتحول إلى مركز إقليمي للطاقة، بعد تدشينهما مع دول أخرى -أوائل عام 2019- منتدى غاز شرق المتوسط (EMGF) الذي يتخذ من القاهرة مقرا له.

دور الإمارات

جاء دخول الإمارات بقوة على خط التطبيع مؤخرا، ليشكل آثارا متداخلة على العلاقات بين القاهرة وتل أبيب، حسب محللين.

وبرزت مؤخرا ظواهر تبدو عفوية، إلا أن تكرارها يشي باحتمال أنها مقصودة، ومنها استقطاب مشاهير مصريين للقاء نظرائهم من إسرائيل في محافل إماراتية، ومنح المطبعين المصريين من الكتاب والمثقفين جوائز إماراتية رفيعة، بالتوازي مع قمع أي صوت مناهض للتطبيع بالإمارات وحرمانه من ميزات شتى، مما منع كتابا مصريين عن انتقاد خطوات الإمارات في هذا الملف، كما يقول مؤلف كتاب “أصدقاء إسرائيل في مصر” محمود عبده.

ورغم ذلك، فإن أشكال مقاومة التطبيع تتصاعد في مصر، وفي مقابل إبراز لقاءات مشاهير مصريين وإسرائيليين في محافل إماراتية، دعت الحملة المصرية الشعبية لمقاطعة إسرائيل (BDS Egypt) النادي الأهلي المصري لرفض رعاية بنك أبوظبي الأول للنادي.

وقال بيان للحملة -على صفحتها بفيسبوك- “البنك متورط في شراكات إستراتيجية مع بعض البنوك الإسرائيلية التي تمول عمليات سرقة الأراضي الفلسطينية وبناء المستوطنات عليها”.

وقامت الحملة بمراسلة مجلس إدارة النادي الأهلي ومطالبته بإلغاء هذه الشراكة، كما طالبت جماهير النادي الأهلي في مصر والوطن العربي بالضغط على الإدارة لـ”تجنيب النادي العظيم في شراكة تمول سرقة فلسطين”.

وفي حين لم يتسن الحصول على تعقيب من البنك الإماراتي أو إدارة النادي الأهلي بشأن ما ذكرته الحملة، نقل موقع “المنصة” المحلي عن مصدر مقرب من إدارة النادي الأهلي قوله إنه من المستبعد أن تتجاوب الإدارة مع الخطاب.

الجزيرة

قد يعجبك ايضا