
السمات الخَلقية والخُلقية والرؤى الإستراتيجية للرسول القائد
الشعب نيوز:-
د. حازم الراوي
كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قد تحمل أعباء المسؤولية التي أوكلها الله عز وجل له في نشر الدين الإسلامي الحنيف، فبالرغم من جسامة هذه المسؤولية والالتزام الروحي أمام الخالق عز وجل بوصفه نبياً مرسلاً للناس أجمعين. قال تعالى ( قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا)، وقوله سبحانه (يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً)، إلا انه كان في الوقت نفسه قائداً للدولة في أمور السلم والحرب، ويوجه شؤون المجتمع بالاتجاه السديد، وكان مثالاً رفيعاً لقائد المجتمع ، فلم يجعل لنفسه منزلة خاصة، سواء أكانت في الحياة العامة في العيش وأنماطه أم في مطالب دنيوية أخرى، وكان مثالاً فذاً للتواضع والكرم والصدق والوفاء والعدل والنبل والحكمة والعفة، فوصفه الله عز وجل في كتابه الكريم بقوله تعالى:(وإنك لعلى خلق عظيم). ناهيك عن هيبة طلعته(صلى الله عليه وسلم). ووصفه الخليفة علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم وجهه بالقول:كان أجود الناس كفاً، وأوسع الناس صدراً، وأحدث الناس لهجة، وأوفاهم ذمة وألينهم عريكة، وأكرمهم عشيرة، من رآه هابه، ومن خالطه أحبه
. ولشخصيته البارعة (صلى الله عليه وسلم)، فقد تأثر أعداء الأمة العربية الإسلامية من المستشرقين وغيرهم بالرسول (صلى الله عليه وسلم) ومنهم غوستاف لوبون الذي وصفه في كتابه حضارة العرب بالقول:(كان صبوراً قادراً على احتمال المشاق ثابتاً لين الطبع وديعاً. وكان مقاتلاً ماهراً لا يهرب أمام المخاطر، ولا يلقى بيديه إلى التهلكة، وكان يعمل ما في طاقته لإنماء خلق الشجاعة والإقدام في بني قومه). أما توماس كارليل فيقول في كتابه الأبطال:(كان مليء النفس بالرحمة والحنان والخير والبر والحكمة).
تمتع الرسول القائد (صلى الله عليه وسلم) بصفات خَلقية جميلة، وسمات خُلقية عظيمة كان لها الأثر البالغ في تكوين شخصيته القيادية المؤثرة في الروح المعنوية لأصحابه رضوان الله تعالى عنهم ناهيك عن تأييده من الله عز وجل نبياً مرسلاً لهذه الأمة وللعالم أجمع. فكان (صلى الله عليه وسلم) الأسوة الحسنة لأصحابه في حياته المباركة وبقي الأسوة الحسنة لأتباعه بعد وفاته، ولا يزال وسيبقى الأسوة الحسنة للمسلمين كافة حتى يوم الدين. قال تعالى:(لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً).
كانت صفاته الخَلقية (صلى الله عليه وسلم) مدعاة فخر لجمالية خلق الله عز وجل للبشر، فلم يكن بالطويل ولا بالقصير، بل كان وسطاً بين ذلك، غليظ الكفين والقدمين ضخم ألواح الكتف، شديد سواد العينين سبط الشعر، سهل الخدين، أزهر اللون، مشوباً بحمرة، ليس بشديد البياض (الأمهق)، ولا الأسمر (الأدهم) كان وجهه القمر ليلة البدر، حسن الأنف، واسع الجبين، سواء البطن والصدر، حسن الصوت لا يضحك إلا تبسما، إذا غضب اعرض، وإذا فرح غظ طرفه، كث اللحية، ليس في شعر رأسه ولحيته أكثر من عشرين شعرة بيضاء حتى وفاته، عنقه كان أبريق فضة، إذا مشى فانه يمشي بقوة وثبات كأنما ينحدر إلى أمام من مرتفع، وإذا التفت التفت جميعاً، كان العرق في وجهه كأنه لؤلؤة، ولريح عرقه أطيب من المسك. ومن هذه الصفات الخلقية الجميلة، إضافة للنور المحمدي الذي كان يسطع في وجه كل من ينظر إليه، نجد مدى التأثير النفسي والمعنوي البالغ في نفوس الصحابة الكرام ممن عاصروه صلوات الله عز وجل عليه في صدر الإسلام.
أما سماته الخُلقية (صلى الله عليه وسلم) فكان الصدق والأمانة من الشمائل التي رافقته منذ طفولته، فأسهمت في تكوين الشخصية القيادية الجذابة قبل نبوءته، ولعل تسمية قريش له بالصادق الأمين في ريعان شبابه واحدة من هذه الدلائل ، وكان لموقفه (صلى الله عليه وسلم) القدرة على فض النزاع الذي كاد ان يحدث بين قبائل مكة حول وضع ركن البيت، فبعد أن انتهوا من إعادة بناء الكعبة اختلفوا في وضع ركنها، وكانت كل قبيلة تشعر بأحقيتها في ذلك، حتى هموا بالقتال، ثم اتفقوا بعد ذلك على ان يجعلوا بينهم أول من يدخل في باب شيبه ليقضي بينهم.
وماذا برسول الله (صلى الله عليه وسلم) أول من دخل من هذه الباب، فلما رأوه، قالوا: هذا الأمين محمد، قد رضينا بما يقضي بيننا، ثم أخبروه الخبر، فوضع (صلى الله عليه وسلم) رداءه، وبسطه في الأرض، ثم وضع الركن فيه، وقال: لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب ثم أرفعوه جميعا، ففعلوا حتى إذا بلغوا به موضعه، وضعه (صلى الله عليه وسلم) بيده الطاهرة، وبهذه الحكمة البالغة تمكن من حقن الدماء وفض النزاع .
إن هذه الشمائل التي نشأ عليها الرسول (صلى الله عليه وسلم) منحته سمات الصدق والأمانة والحكمة ، فكان لها التأثير المباشر بعد نبوته على البناء المعنوي لصحابته الذين أخذوا ينهلون من معين شخصيته هذه السمات، فيشعرون بالسمو والكرامة، وتتأجج في جوانحهم العزائم الواثبة.
كانت الشجاعة واحده من سماته القيادية المميزة صلوات الله عليه وسلم، الأمر الذي كان له الواقع ألتأثيري الإيجابي في نفوس صحابته الكرام وبرزت شجاعته(صلى الله عليه وسلم) في المعارك التي قادها شخصيا، ومنها معركة بدر الكبرى وأحد والخندق وخيبر و حنين. ففي كل هذه المعارك وغيرها، كان صلوات الله عليه مثالا للقائد الشجاع في الفعل والقرار. فعلى المستوى الفردي كان أشجع الناس، وكان أذا أمر الناس بالقتال تشمر وكان من أشد الناس بأسا، والشجاع من أصحابه كان هو الذي يقرب منه في الحرب لقرب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من العدو. وكان يتعوذ من الجبن، ويؤكد على ان المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف.قال عز وجل (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم). وفي معركة الخندق كان (صلى الله عليه وسلم) يحفر بنفسه.
ومن سماته القيادية الأخرى صلوات الله عليه المؤثرة في البناء المعنوي، كانت تتمثل بتواضعه الشديد ، فكان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أكثر الناس تواضعا ، يخصف نعله ، ويرقع الثوب ويخيطه، ويخدم في مهنة أهله، ويقطع اللحم معهن ويجيب دعوة السائل ، ويقبل الهدايا ويكافئ عليها. وهو القاتل: ما زاد الله عبدا يعفو إلا عزا وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله. وكان يمر على الصبيان فيسلم عليهم. ومن أمثلة تواضعه الشديد كان رجل قد شعر بالخوف من هيبته عند لقائه فقال له (صلى الله عليه وسلم) :هون عليك فلست بملك إنما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القد يد. وكان صلوات الله عليه ينظر إلى الأرض أكثر من نظره إلى السماء من شدة تواضعه ويأكل علي الأرض وإذا دعاه رجل فقال: يا رسول الله أجابه: لبيك.
وقد ألقت هذه السمات الخلقية الرفيعة في نفوس الصحابة مزيدا من عناصر الدعم والبناء المعنوي، فالتواضع يجذب المحبة والثقة، والمقاتل الذي يحب قائدة ويثق به، لا بد أن يندفع في وطيس القتال بروح معنوية عالية وصمود لا يلين وبعزم لا يستكين.
ومن وصاياه لأصحابه بعدم الغضب وعن أبي هريرة رضي الله عنه ان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب.
كما ان واحدة من أجمل سماته تمثلت برحمته على أصحابه، وأدت هذه السمة تأثيرها الواضح في مجال حب المقاتلين للرسول (صلى الله عليه وسلم) وحبه لهم ، وفي ذلك يقول تعالى( لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم ).
وكان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يتسم بالحياء، فكان أشد الناس حياء لا يثبت بصره في وجه أحد ويحض المسلمين للتحلي بهذا الخلق، وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال :كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أشد حياء من العذراء في خدرها، فإذا رأى شيئا يكرهه عرفناه في وجهه . قال تعالى (ان ذلكم كان يؤذي النبي فيستحي منكم).ومن أخلاقه صلوات الله عليه انه كان أعف الناس فلم تمس يده قط يد امرأة لا يملك رقها أو عصمة نكاحها أو تكون ذات محرم منه. بل انه لم يقرب من إثم قبل نبوته.
وفضلا على ما تقدم من صفات حميدة كان يتمتع بها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقد كان أسخى الناس وأكرمهم، لا يبيت عنده دينار ولا درهم وان بقي شيء ولم يجد من يعطيه وفاجأه الليل، لم يأو إلي منزله حتى يعطيه إلى من يحتاجه ولا يأخذ ما أعطاه الله عز وجل إلا قوته فقط. وكان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يكرم كريم كل قوم ويوليه عليهم ويكرم أهل الفضل في أخلاقهم. وكان صلوات الله عليه يشجع على الكرم والسخاء فيقول: انفق يا ابن آدم ينفق الله عليك. وجاء في حديثة (صلى الله عليه وسلم) ” السخي قريب من الله قريب من الناس قريب من الجنة بعيد من النار والبخيل بعيد عن الله، بعيد عن الناس، بعيد عن الجنة، قريب من النار. ولجاهل سخي أحب إلى الله تعالى من عابد بخيل.
أليست هذه السمات الأخلاقية الرفيعة ذات قدرة تأثيرية كبيرة في رفع مستوى البناء المعنوي والقيادي في نفوس الصحابة الكرام، فتراهم يجزلون العطاء والسخاء فيقدمون أرواحهم فداء لله عز وجل من أجل إعلاء كلمته. فينالوا الثواب في الآخرة، ويحضوا بالجنة جزاء لهم..
ومن السمات القيادية التي تمتع الرسول القائد (صلى الله عليه وسلم) تلك التي تمثلت في بعد النظر، ففي الحديبية وافق على قبول شرط الهدنة بالرغم من اعتراض بعض أصحابه في بادئ الأمر لأن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قُّدّر ان قبوله هذه الشروط هو نصر للمسلمين، حيث تتاح الفرصة المواتية لزيادة حجم الجيش العربي الإسلامي. وبالفعل فقد ارتفع العدد من ألف وأربعمائة مقاتل في صلح الحديبية إلى عشرة آلاف مقاتل في فتح مكة بعد سنتين.، فضلا على إتاحة الفرصة للقضاء على تآمر اليهود الذين كانوا يعدون بخبث العدة للقضاء على الدين الإسلامي الحنيف.
أما سمة الصبر في شخصية الرسول(صلى الله عليه وسلم) فكان لها تأثير بالغ في نفوس الصحابة الكرام فالصبر نصف الإيمان. ولعل معركة حنين سنة ثمانية للهجرة خير شاهد على ثبات وصبر الرسول (صلى الله عليه وسلم) حيث صمد وصبر وثبت في اللحظات التي ارتبكت فيها الصفوف وانتشر فيها الفزع بعد مبادأة هوازن بمحاصرة المسلمين والرمي عليهم . وكان صلوات الله عليه يحث الصحابة على الثبات في المعركة قائلا: أنا النبي لا كذب ، أنا بن عبد المطلب. مفصحا عن الثقة بالنفس وروحه المعنوية العالية، ومؤججا إياها في نفوس المقاتلين .فالصبر تعبير عن الإرادة والعزيمة والشجاعة البالغة وهو منبع حقيقي للطاقة الكامنة في النفس البشرية المولدة للعوامل المادية ذات الفعل ألتأثيري الانعكاسي الكبير.
كان صلوات الله عليه يحرص على اللقاء مع صحابته والتحدث معهم ، وتوجيههم الوجهة المطلوبة في شتى المجالات ومختلف الميادين من أجل إعلاء كلمة الله ونشر الدين الإسلامي الجديد. وفي خطبته في أول جمعة جمعها بالمدينة المنورة أكد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على التقوى حيث جاء فيها: أوصيكم بتقوى الله فإنه خير ما أوصي به المسلم المسلم. وأما في خطبه حجة الوداع، فقد أكد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على العديد من الأمور ومنها الأمانة، التآخي، التقوى بقوله: ايها الناس: ان دماءكم وأموالكم عليكم حرام، إلى ان تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ألا هل بلغت اللهم اشهد، فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى الذي ائتمنه عليها”. وقوله : إنما المؤمنون إخوة فلا يحل لامرئ مال أخيه إلا عن طيب نفسه ألا هل بلغت اللهم اشهد. فلا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم أعناق بعض.
كما أن من سماته القيادية الأخرى صلوات الله عليه وسلم انه كان يتمتع بقابلية بدنية عالية وهي إحدى السمات المهمة للبناء القيادي، وان مشاركته مع المقاتلين في مسيراتهم الراجلة الطويلة والشاقة في مختلف فصول السنة عند الغزوات خير دليل علي هذه القابلية، وكان يدعو أصحابه إلى الخشونة والتدريب على قوة الجسم والصبر على الحر والبرد والتعب والمشاق.
تلك بعض من النزر القليل من سماته الخلقية والخلقية صلوات الله تعالى عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.