
العلاقات السامة: كيف تتعرف عليها وتتخلص منها؟د. عمّار محمد الرجوب
الشعب نيوز:-
حين يصبح القرب استنزافًا، والاهتمام قيدًا، والمودة سيفًا مسلطًا على عنق الروح، فاعلم أنك في علاقة سامة!
ما أشدّ قسوة أن تكون السلاسل التي تُقيّد الروح غير مرئية، أن يكون السجّان وجهًا مألوفًا، يحمل في عينيه وهْمَ الأمان بينما يقتات على رحيقك حتى لا يبقى منك إلا ظلٌ يتبع خطواتٍ ليست لك. كم من حبٍ لم يكن حبًا، وكم من ودٍّ كان سُمًا ينساب في العروق ببطء، حتى إذا استفقت وجدت نفسك غريبًا عن ذاتك، حائرًا بين ما كنتَ وما صِرت.
العلاقة السامة ليست صوتًا مرتفعًا ولا صفعة على خدّ، بل هي سكينٌ باردة تُغرس في الظهر بلطف، وابتسامةٌ تحمل بين طياتها ألف معنى لا تدركه إلا بعد فوات الأوان. هي تلك الكلمة التي تُقال عابرًا، لكنها تهدم فيك قلاعًا من الثقة. هي العتاب الذي لا ينتهي، والمقارنات التي تكسرك، والخذلان الذي يأتي على هيئة حرصٍ زائف. هي حين يكون الصمت أرحم من الحديث، والغياب أهون من اللقاء، والرحيل هو الطريق الوحيد إلى الحياة.
وما أقسى أن يدرك المرء أنه محاصرٌ في قيدٍ صنعه بنفسه، أن يرى الحبل حول عنقه ولا يمد يده ليفكّه، أن يتخذ الصبر دينًا، والتبرير عادةً، والخوف عذرًا للبقاء حيث يموت النور. ليست كل عشرةٍ حياة، وليس كل ودٍّ نعمة. فبعض القرب خنجرٌ مغروس، وبعض الحبّ بابٌ إلى العدم.
ولكن، هل الخلاص مستحيل؟ كلا. بل هو قرار، والقرارات العظيمة دائمًا تُولد من رحم الألم. حين تدرك أن كرامتك ليست رفاهية، وأن سعادتك ليست ترفًا، وأنك لستَ مجبرًا على البقاء في مكانٍ يأكلك حيًا، حينها فقط يبدأ الطريق نحو الحرية. الحرية التي تبدأ من الداخل، من رفض الظلم مهما ارتدى قناع الحب، من الانسحاب دون شعورٍ بالذنب، من اختيار ذاتك ولو كان الثمن عزلةً مؤقتة.
في النهاية، ليست كل النهايات مؤلمة، ولا كل الفقد خسارة. هناك رحيلٌ يمنحك نفسك من جديد، وهناك وحدةٌ أنقى من ألف لقاء. وكما قال نيتشه: “من يحيا وسط الوحوش، عليه أن يحذر ألا يصبح واحدًا منهم.” فلا تدع سُمّ القرب الفاسد يغيّر نقاءك، ولا تخف من طريقٍ تمشيه وحدك، فلعلّ العزلة التي تخشاها بابٌ لحياة لم تحلم بها من قبل.
تحرر، تنفّس، عش