
أخبارٌ مُعدية: حين يُصاب الوعي بالتبلّد.. سعيد ذياب سليم
الشعب نيوز:-
يعيش الإنسان المعاصر في سباقٍ لا يهدأ،
تتشابك فيه الصراعات وتتعدّد مساراتها،
ولعلّ أشدّها إلحاحًا ذلك السباق الإخباري.
فالخبر لا ينتظرك… بل يلاحقك؛
يطلّ عليك من هاتفك،
ويتسلّل إلى يومك في كل لحظة.
وإذا جلست أمام التلفاز،
لم تعد نشرة الأخبار مجرّد عرضٍ للوقائع،
بل مواجهةٌ محتدمة،
لا تقلّ توترًا عن حلبة ملاكمة—
مواجهةٌ لا تترك في الجسد أثرًا،
لكنها تترك في الداخل ما هو أعمق.
1. العدوى التي لا تُرى
يمكنك أن تقي نفسك الفيروسات المسبِّبة للأمراض بارتداء كمامةٍ مناسبة،
وأن تتجنّب الأسطح الملوّثة بارتداء قفازاتٍ طبية.
لكنّ هناك فيروساتٍ أخرى،
تجد طريقها مباشرةً إلى القلب والروح،
دون ساترٍ أو سلاحٍ يردعها؛
تلك التي تحملها موجات القنوات الإخبارية.
ليست عدوى بالمعنى الطبي،
بل صورةٌ مجازية لتأثيرٍ يتسلّل دون استئذان.
ماذا يحدث لنا ونحن نتابع الأخبار؟
ومن المسؤول؟
أنحن، بقصورنا المعرفي والنفسي؟
أم صانع الخبر؟
2. جاذبية الواجهة: حين يُقدَّم الألم في قالبٍ أنيق
تستقطبك مذيعةُ الأخبار في القناة المتلفزة:
مظهرٌ بهيّ، تتداخل فيه تفاصيل الموضة والجمال ـــ لونًا وخامةً وإحساسًا ـــ
في انسجامٍ محسوب مع عناصر كادر الصورة في أستوديو الأخبار المعاصر.
وأداءٌ احترافيّ في الإلقاء،
بنبرةٍ موضوعية تخلو من أي عاطفة،
أقربُ إلى رنين المعادن.
تسرد المآسي بلغةٍ باردة،
وتمنح الخبر شرعيته عبر هذا الحياد الظاهري،
حيادٌ قد يطمس الحقيقة أكثر مما يكشفها.
تقود فريقها الإخباري ـــ من مراسلين ومحللين وضيوفٍ وخبراء ـــ
وتتنقّل بين الشاشات والخرائط،
معلّقةً على المشاهد بمهارة قائدٍ ميدانيّ في ساحة معركة.
تشدّك إلى مقعدك،
كأنك في عربة أفعوانية،
تخشى الانزلاق عن المسار.
وفي هذا الإيقاع المتسارع،
يطغى الصوت على المعنى،
وتسبق السرعة الفهم،
فيجد المشاهد نفسه عالقًا
بين تنظيرٍ مجرّد لا يلامس الواقع،
وتبعيّةٍ تُضعف القدرة على النقد.
3. الخبر: كيف تُصنع العدوى؟
غير أنّ هذه الواجهة الأنيقة ليست سوى قشرةٍ رقيقة،
تخفي خلفها عمليةً أكثر تعقيدًا.
فالأخبار لا تعود مجرد رصدٍ موضوعي للوقائع،
بل تتحوّل إلى منتجٍ معرفي،
يخضع لعمليات دقيقة من الاختيار والترتيب والحذف،
ضمن تحريرٍ يعيد تشكيل الحدث،
ويمنحه دلالةً دون أخرى.
ومن خلال هذا المسار،
لا يُنقل الواقع كما هو،
بل يُعاد تقديمه داخل سياقٍ محدّد،
يُبرز جانبًا ويُخفي آخر،
وفق رؤيةٍ تحريريةٍ واعية أو ضمنية.
في هذا الإطار، يكتسب الخبر خصائص السلعة؛
فيُصاغ ليواكب متطلبات سوق المعلومات،
حيث يتقدّم ما هو أكثر جذبًا وقدرةً على الانتشار،
في عالمٍ تحكمه اقتصاديات الانتباه.
وهكذا، لا نرى الواقع وحده،
بل نراه ممزوجًا بالرؤية التحريرية للمؤسسة،
وبالحدود التي يرسمها اللاعبون الأساسيون في الإقليم.
4. لحظة التلقي: انشطار الداخل
تُهال عليك كمٌّ من المعلومات المنتقاة،
بمهارةٍ تكاد تُشبه عملَ طبيبٍ نفسي،
فتتركك مبهوتًا، مفتونًا…
وقد تنقسم استجابتك الداخلية إلى مستويين:
أحدهما يحلّل ويفهم،
والآخر ينفصل عاطفيًا ليتلقّى دون أن يشعر.
هذا الانفصال ليس إلا آليةَ دفاعٍ قسرية،
يبتكرها العقل ليحوّل الرعب اليومي
إلى مادةٍ مألوفة يمكن التعايش معها.
وهكذا ينمو تبلّدٌ تدريجي،
يحمي القلب من الاحتراق الكامل.
لكن هذا التخدّر ليس مجانًا؛
فهو يكشف حقيقةً مُرّة:
أن الإنسان لا يحتمل هذا الكم من الألم
دون أن يدفع ثمنًا داخليًا من جوهر إنسانيته.
فبينما ينجح الجزء “المحلّل” في الاستيعاب،
يضعف الجزء “المتعاطف” مع تكرار التعرّض،
مخلّفًا وراءه فجوةً موحشة في الروح.
5. تشوّه الإدراك: حين يُعاد تشكيل العالم في داخلنا
لا تقف الأخبار عند حدود نقل الواقع،
بل تمتدّ ـــ بهدوءٍ خادع ـــ إلى إعادة تشكيله داخل وعينا.
فشيئًا فشيئًا، لا نعود نرى العالم كما هو،
بل كما يُعاد عرضه علينا،
محمّلًا بانحيازاتٍ دقيقة،
وأخطاءٍ في الإدراك تكاد تبدو طبيعية.
قد تكفي حادثةُ سرقةٍ واحدة،
لتُروى بصيغةٍ توحي بأن مدينةً بأكملها لم تعد آمنة،
وكأن الخوف حقيقةٌ شاملة، لا احتمالٌ عابر.
وتحت وطأة التهويل،
يتحوّل خبرٌ عن أزمةٍ محدودة
إلى نذيرِ انهيارٍ وشيك،
فتغدو الاحتمالات ـــ مهما كانت ضئيلة ـــ أقربَ إلى يقينٍ يطرق الأعصاب بلا انقطاع.
وفي المقابل،
تمرّ أخبار التعافي والتحسّن مرورًا خافتًا،
كأنها لا تستحق الانتباه؛
فهبوطٌ في معدلات الجريمة،
أو مبادرةٌ صغيرة تُعيد شيئًا من التوازن،
لا تجد لها مكانًا في صخب العناوين.
ومع تكرار هذا النمط،
يتحوّل وعينا إلى مرآةٍ مشروخة،
تعكس الخطر أكثر مما تعكس الواقع،
وتُضخّم العتمة حتى تبدو وكأنها الصورة الكاملة.
ورغم ذلك،
لا يمكن اختزال المشهد في صورةٍ واحدة.
فالأخبار، في جوهرها، ليست شرًّا خالصًا؛
إذ قد تكون ـــ في لحظاتٍ كثيرة ـــ وسيلةً للإنقاذ،
تنقل تحذيرًا مبكرًا من خطرٍ قادم،
أو تكشف فسادًا ما كان ليُرى لولاها.
كما أنّ المتلقّي ليس دائمًا ضحيةً سلبية؛
فثمة من يمتلك وعيًا نقديًا،
يستطيع أن يفرز ويشكّك ويقاوم،
ولا ينساق بسهولةٍ وراء ما يُقدَّم له.
غير أنّ هذه الاستثناءات
لا تُلغي أثر التيار الغالب،
ولا تنفي أنّ بنية العرض نفسها
قادرة ـــ عند قطاع واسع من المتلقين ــ
على إعادة تشكيل وعينا
دون أن نشعر.
6. الإدمان الصامت: لماذا نستمر؟
رغم الألم، نواصل المتابعة.
هل يدفعنا الفضول؟
أم هو وهم المعرفة، ذلك الشعور الخادع بالسيطرة،
وكأننا ـــ بمجرد المتابعة ـــ نحيط بما يحدث حولنا، ونفهم ما يمسّ حياتنا؟
قد تميل إلى متابعة الأخبار بوصفها اهتمامًا مشروعًا،
كما تميل إلى المذاق المرّ للقهوة،
أو إلى حرارة البهارات في الطعام؛
تجربةٌ قاسية، لكنها مستساغة.
غير أنّ ما يبدأ كاختيارٍ عابر،
قد يتحوّل ـــ دون أن نشعر ـــ إلى عادةٍ تسيطر علينا،
وتعيد تشكيل سلوكنا على نحوٍ خفي.
وعند هذه العتبة،
لا تعود متابعة الأخبار مختلفةً كثيرًا عن أنماط الإدمان الضار.
الأخبار… عادةٌ يومية، أقرب إلى الإدمان.
والمفارقة المؤلمة:
أن ما يؤذينا، هو ذاته ما نعود إليه ـــ
ليس لأننا نجهل الأثر،
بل لأننا تعلّمنا التعايش معه.
7. فقدان المناعة: حين يصبح الألم عاديًا
تلك هي المرحلة الأخطر…
حين لا تعود المشكلة فيما نراه،
بل فيما لم نعد نشعر به.
فالاعتياد على المآسي لا يحدث دفعةً واحدة،
بل يتسلّل ببطء،
حتى يتآكل الحسّ الأخلاقي دون ضجيج،
وتتحوّل الكارثة ـــ شيئًا فشيئًا ـــ إلى “محتوى”.
نُتابع، نُعلّق، ثم ننتقل إلى غيرها،
دون أن يترك الألم أثره كما كان يفعل يومًا.
تختفي الدهشة،
وينطفئ الغضب،
ويفقد الحزن حدّته،
كأن النفس تعلّمت كيف تحمي نفسها…
بأن تتوقّف عن الإحساس.
وفي هذا التبلّد،
نجد أنفسنا جزءًا من زمنٍ مضطرب،
اختلطت فيه الحقائق بالأكاذيب،
وطغى فيه غرور القوة وهوس الهيمنة،
حتى صار العدوان يتجاوز ـــ في قسوته والتباسه ـــ أكثر خيالات الأدب قتامة.
غير أنّ خطورة هذا الزمن لا تكمن في إخفاء الحقيقة،
بل في إغراقها؛
فبدل أن تُحجب، تُغمر في فائضٍ من الروايات،
وتتزاحم حولها الأصوات،
حتى يفقد العقل قدرته على التمييز،
أو الإمساك بجوهر ما يحدث.
وهكذا، يجد الإنسان نفسه محاطًا بكل شيء…
ومع ذلك، عاجزًا عن فهم أي شيء.
لم يعد السؤال: ماذا يحدث؟
بل: هل ما زال في مقدورنا أصلًا أن نفهم ما يحدث؟
ليس لأن الواقع صار أكثر قسوة…
بل لأن قدرتنا على الإحساس به صارت أقل.
8. بين الوعي والانسحاب: هل من نجاة؟
كيف ننجو من هذه الدوّامة التي تسحبنا إلى الداخل،
بهدوءٍ لا نشعر به؟
هل تكون النجاة في الانقطاع عن الأخبار،
أم في تغيير طريقة تلقّينا لها؟
يبدو الانسحاب مغريًا،
لكنّه يتركنا في فراغٍ لا يقلّ التباسًا،
بينما يضعنا الاستغراق الكامل
في قلب الضجيج ذاته.
فهل التوازن ممكن؟
في عالمٍ تحكمه سوق الأخبار،
وتُعيد فيه القيم المتبدّلة تشكيل ما نراه ونصدّقه؟
لعلّ النجاة لا تكون في الهروب،
بل في إعادة بناء علاقتنا بما نتابع:
أن نرتقي إلى وعيٍ نقدي،
بدل استهلاكٍ سلبيّ يستنزفنا دون أن ننتبه،
وأن نقلّل التعرّض،
دون أن ننفصل عن العالم،
وأن نستعيد حسّنا الإنساني،
لا بوصفه ردّة فعل،
بل كفعل مقاومة.
9. الخاتمة: مقاومة العدوى
إذا كانت الأخبار فيروساتٍ خفيّة،
فما اللقاح؟
هل يمكن أن نفعل كما فعل لويس باستور،
حين حوّل المعرفة إلى وقاية؟
أو كما فعل إميل فون بهرنج،
حين استخرج من الألم علاجًا له؟
أم أنّنا سنمضي في اتجاهٍ آخر،
نُدرّب فيه أنفسنا على التلقّي البارد،
حتى نصير أشبه بآلاتٍ تعالج الأخبار
دون أن يرتجف فينا شيء؟
يبدو أنّ ما نملكه اليوم
ليس لقاحًا جاهزًا،
بل ممارسةٌ مستمرة:
أن نُبقي جذوة الوعي متّقدة،
وأن نفتح في داخلنا نافذةً للرحمة،
وأن نُدرّب قدرتنا على التمييز
وسط هذا الضجيج.
فنحن لسنا عاجزين تمامًا…
لكننا لسنا محصَّنين أيضًا.
ورغم ذلك، يبقى في الإنسان ما يقاوم هذا التبلّد.
سعيد ذياب سليم