
إن ما تراه ليس كما يبدو ! د. حازم قشوع
الشعب نيوز:-
هي جملة خبرية تلخص حاله المشهد السائد، فما تريده واشنطن ليس ما تقوله، وما تسعى لترسيمه ليس ما تقف عليه، فلا القضاء على حماس هو فقط ما تبتغيه ولا تهجير الشعب الفلسطيني هدفها الوحيد، بل تريد واشنطن من وراء اشعال هذه الحرب إقامه دوله إسرائيلية كبرى بحدود نفوذ تشمل الشرق الأوسط، بحيث يشكل هذا الكيان المرجعية العسكرية الأقوى وينوب عن واشنطن بإدارة وتنفيذ مقاصدها بالسيطرة على الموارد الطبيعية والبشرية، وهذا ما يعني بصيغة الجوهر تسليم المنطقة بالكامل لإسرائيل بمواردها وأنظمتها و جيوشها ومؤسساتها و تحبذ واشنطن أن يتم ذلك بعملية سلمية ومن دون مقاومة، حتى لو كانت محدودة حتى تكسب وقت ولا تذهب تجاه متغير غير محسوب، تلك هى الحقيقه التى يعمل لاخفائها الجميع، فلا الأنظمة تريد بيانها لكي لا تصطدم مع أمريكا بحقيقة انتهاء دورها الوظيفي خشية مواجهة واقعها الأليم، ولا أمريكا ترغب ببيانها حتى لا تكشف اللثام عن وجهها البغيض، فما تقوم عليه من أفعال دفينة اخذت تستهدف إعادة تغيير الجغرافيا السياسية وإعادة تشكيل شكل الأنظمة الوظيفية، وهذا ما جعل من هذا المخطط مكشوف لدرجة كبيرة وليس مقروء فحسب عند النخب السياسية !.
وهو الاستخلاص الذي بات يشكل جملة خبرية فى مبتدا عنوانه إعادة الترسيم، حيث بدأت تظهر علامات الوجبه الاولى وهى تستهدف ايجاد طوق أمان لاسرائيل باعتبارها دولة المركز للمنطقة، بحيث تمتد حدود جغرافيتها ما بين الفرات الى النيل بعدما تم استهداف هذه المساحة لتكون بلا غطاء أمنى وبلا جيوش، وهى المعادلة التي تمضي امريكا عبر اسرائيل لإنجازها فى الوجبه الاولى مع مرافقة ذلك بتغيير الدور الوظيفي لبعض الأنظمة، وهذا ما يعني تحويل اسرائيل من دولة إحلال واحتلال إلى “كيان استعماري”، راح ليعربة جيك سوليفان مستشار الأمن القومي في عهد الرئيس بايدن عندما قال واصفا ما يحدث بالمنطقة أنه يتم صناعة “اسرائيل الوحش”، محذرا أمريكا من تداعيات ذلك على طبيعة العلاقة معها !.
وإلى أن تتضح صورة ما تريده أمريكا لمجتمعات المنطقة وينكشف اللثام عن شكله وتصورات ما يتم تخطيطه، فلقد كان الاجدى بدول المنطقة إتخاذ خطوات ردعية فإن لم تكن استدراكية فلتكن وقائية حتى يتم الانكفاء من نعامة شراء الوقت على امل ان ما يتم تحضيره يصطدم بمضادات عكسيه اقليميه ودوليه تبعد أنظمة المنطقة عن شبح واقعيه المواجهة، والأمر الذي جعل الكثير من المتابعين يتساءلون بصيغ استهجانية ماذا تنتظر أنظمة المنطقة لكي تعيد بناء قوامها الذاتي بما يجعلها قادرة على المواجهة مع ذلك ؟ فلم تقم بمصالحه ذاتية لتحقيق المواطنة المطلقة، ولا عملت على دمج قنواتها الأمنية بالحواضن الشعبية فى حين بقي العمق العربي يعتمد على الأموال لشراء ألوقت و تجيير الموقف العام لحماية وجوده.
ولعل مسألة التعاطي مع المشهد بسياسة ” لا يعنيني ” ما يحدث أثبت فشله كونه كان قائم على فرضية تيارين ” ايراني فارسي و اسرائيلي صهيوني ” وهى الفرضية التى أثبتت عدم صحتها، بعدما أعلن الزعيم نتنياهو برنامج عمله واكدته قياداته، وهذا ما يعني أن ما يحدث من معارك فى فلسطين فى الضفة أو في القدس وحتى قطاع غزة هو من صميم ما يعنينا، وأن عدم مقاومة ما يحدث يجعل من إسرائيل تتمادى في غيها الى حيث تريد وتصبح رغبات تل أبيب أمر يستوجب التنفيذ غير خاضع للمساومة، وهذا ما يعنى ضمنا إعطاء مشروعية قبول لما تريد تنفيذه فى الجغرافيا السياسية للمنطقة بعدما استطاعت من إنجاز خطوات تنفيذية متسارعة فى سوريا التى أصبح جنوبها بالشكل العام مع الدولة السورية واما مضمونه فهو إسرائيلي المضمون، كما شمالها فى الجيب الكردي اخذ يحمل ذات المضمون، وأما شرقها حيث تعتاش داعش على آبار البترول هو يحمل ذات السمة الاستخبارية الصهيوامريكيه !.
وهو ذات الحال الذي يسقط على لبنان وهي تدخل بعملية مفاصله تاريخية قد تدخلها في المحصلة فى المظلة الاسرائيلية، ولم يبقى على ترسيم حدود إسرائيل الكبرى أية مقاومة تذكر لاسيما بعد الاتفاقية المصرية الإسرائيلية فى الغاز الموقعة والتي ستدخل اسرائيل عبرها سيناء حسب فضاءات الإعراب بين مناطق محددة بحدود كامب ديفيد كما يصف ذلك متابعين، وهذا ما يجعل من اسرائيل الكبرى قيد الإعلان بعدما انتهت عملية الترسيم، وهو الأمر الذى ذهب اليه “اجتماع المصير العربي في البيت الأبيض” الذي ضم مندوبين ممثلين بالوزير الإسرائيلي “ديرمر صاحب الفكر المنهجي التوسعي لإسرائيل الكبرى وتوني بلير رئيس وزراء بريطانيا السابق عن دول المركز وجيرارد كوشنير عن الصهيونيه العالميه”، ليلتقوا جميعا فى البيت الأبيض بتحضير من وزير الظل روبيو وبقيادة الرئيس ترامب، وذلك من أجل صياغة مآلات المنطقة من باب التحضير لإعلان إسرائيل الكبري في اليوم التالي لوقف الحرب على غزة، والتي لن تنتهي حتى انتهاء الصياغات جميعها التي ذكرت في متن ما عرضت، وذلك ضمن شرعية البيت الأبيض ومشروعية صمت الدول المحيطة لإسرائيل، وهذا ما يعرف بتطبيق منهجية الاحتواء الإقليمي التى كنت قد بينتها في كتابي “أمريكا والتحول السياسي” !.
وربما يقول قائل وهل نحن طور الإعداد ام انتهت جملة التنفيذ ؟ يعنى هل أصبح ذلك قدر ام مازال قضاء يمكن رده ضمن جملة استراتيجية تقوم على الحقائقية، ام ان ما يحدث قدر يستوجب علينا التعامل معه ضمن معادلة “كيف” بالواقعية السياسية ونعطيه سمة المشروعية بالقبول، ولعل هذا ما يجب بحثه على المستوى الداخلى عبر مصالحه حقيقيه وعلى المستوى العربي عبر مكاشفة مفصلية تحث حالة تصدى سيما وان المنطقة أخذت تدخل فاصلة تاريخية وستخرج بعدها بعناوين مغايرة عن ذى قبل.
ولعل معركة أيلول الدبلوماسية ينتظر أن تشكل خير برهان بعدما حدد الرئيس الأمريكي موعد كلمته في الجمعية العمومية حيث، ستكون في 23 أيلول، مع استهلال انعقاد اجتماعات الجمعية العمومية لبرنامج عملها حتى يتسنى للرئيس ترامب التأثير على واقع أعمال الجمعية العمومية التى من المنتظر أن يكون عنوانها الأساس الدولة الفلسطينية، فهل ستنتصر الأمم المتحدة للقانون الدولي وتبسط شرعيتها على مجريات الأحداث وتذهب تجاه إقرار شرعية الدولة الفلسطينية ؟ ام ستكون الغلبة للثقل الدبلوماسي للولايات المتحدة وتذهب تجاه الإعلان عن متغيرات جوهرية تطال دعم تكوين إسرائيل الكبرى ؟ وهذا ما يجعل من أيلول يكون موعد المناورة بالذخيرة الدبلوماسية بين العالم وقيمه وبين الولايات وظلال نفوذها، وهي المحصلة التي تستحضر شعار مفاده ما يعنى ” إن ما تراه ليس كما يبدو ” !.