
حتمية المواجهة في السابع من اكتوبر معتصم صلاح
الشعب نيوز:-
تفوق الكيان الصهيوني في الحرب النفسية عبر تاريخ صراعه مع العرب استند اليها كركن رئيسي في ترسانته العسكرية عبر بث سموم الهزيمة في الوعي الجمعي العربي، ليفرض قناعات الاستسلام وايمان الشعوب العربية بوجوده بينهم كأمر واقع ، لتستجدي منه ابرام اتفاقيات السلام والتطبيع معه، وبما أن وجود الكيان امراً واقعاً وطبيعياً يستحيل معه خلعه، فينبغي التعايش مع هذه الحقيقة الوهمية .
ان هذه العقيدة العسكرية التي يقوم عليها الكيان الصهيوني نابعة من النظرية الامنية التي صاغها منظر اليمين القومي الصهيوني زئيف جابتونسكي في عشرينيات القرن الماضي كركن من اركان العقيدة العسكرية الاستراتيجية التي تكفل حماية وجود “دولة اسرائيل” .
من هنا دأب الاحتلال عبر اعلامه والاعلام العربي الذي ينطق باسمه على تحميل المقاومة الفلسطينية مسؤولية الهولوكست الدامي ومسؤولية ضحايا المحرقة الحديثة واهوال الابادة الجماعية والتطهير العرقي والتجويع التي ترتكب بحق الشعب الفلسطيني كأبشع جريمة ترتكب بحق الانسانية في العصر الحديث يسندها الى ضربة المقاومة الاستباقية التي صُفع بها في السابع من اكتوبر.
حيث سخر العدو كل أبواقه في استوديوهات سيرك التحليل السياسي في الفضائيات الانهزامية عبر مهرجين استراتيجيين لغسل الدماغ الناعم للمشاهد العربي وليحيوا حفلات التباكي المسائية على المأساه الفلسطينية من كل مساء من ايام الابادة . ويؤلبوا الشارع العربي والحاضنة الشعبية على المقاومة وينشروا روح الهزيمه والخضوع عبر الاثير مستخفين في بطولات وتضحيات المقاوميين التي تجاوزت الملاحم الاسبارطية، مع التعتيم على الهزائم والخسارات التي يتكبدها الجيش الذي لا يقهر وليبخسوا في العمل الاسطوري المقاوم الذي حطم كل النظريات العسكرية التي تُدرس في الاكاديميات الحربية .
وفي هذا السياق لا بد من تسلبط الضوء على أن الصراع السياسي المحتدم بين الاحزاب اليسارية والاحزاب اليمينية في الحركة الصهيونية يقوم على الكيفية والآلية لتحقيق المشروع الصهيوني في المنطقة المتمثل في قيام “اسرائيل الكبرى” من الفرات الى النيل، وبما أن “دولة اسرائيل” هي أهم أدوات المشروع الصهيوني الاستعماري الذي لم يكتمل بعد في المنطقة فقد أرجأت هذه الاحزاب تقنين دستور مكتوب ل”دولة اسرائيل” منذ اعلان قيامها عام 1948 وحتى الان كونه لا يستقيم وتقنين دستور الدولة عدم حصر حدودها .
فذهب اليسار الصهيوني الذي أسس الكيان وأنشأه وسيطر على الحكم فيه حتى عام 1977 الى تبني سياسة التدرج والمرحلية التوسعية الخاضعة للظرف التاريخي لتوسيع حدود الدولة، ففي حرب عام 1948 توسعت حدود الكيان بأضعاف ما اكتسبه في قرارالتقسيم 181 الصادر عام 1947، وتمددت حدوده بعد نكسة حزيران عام 1967 ليضم الضفة الغربية وقطاع غزة وهضبة الجولان وشبه جزيرة سيناء ضمن اطار مشروعه التوسعي .
بينما ناهض اليمين القومي الصهيوني هذه الاستراتيجية ونادى الاستعجال في توسيع حدود الدولة دفعة واحدة لاستكمال مشروع اسرائيل الكبرى في المنطقة .
منذ تراجع اليسار الصهيوني في الحكم منتصف تسعينيات القرن الماضي وصعود اليمين القومي الصهيوني المتمثل بحزب الليكود المتحالف مع الاحزاب الصهيونية الدينية الميسحانية ترسخت استراتيجية استكمال المشروع الصهيوني التوسعي دفعة واحدة لدى حكام تل ابيب .
ولما كانت العقيدة الامنية العسكرية الصهيونية المبنية على نظرية زئيف جاوبتنسكي الاب الروحي لليمين القومي الصهيوني تقوم على الردع العنيف والانذارالمبكر القائم على التفوق الاستخباري والحسم السريع ونقل المعركة على أرض العدو، فانه كان لا بد لضربة عسكرية استباقية وقائية للقضاء على الخطرالامني المحدق بوجود “اسرائيل” المتمثل في تراكم امكانيات المقاومة العسكرية في قطاع غزة التي تشكل تهديداً وجودياً للاحتلال ومشاريعه.
فما كان للضربة العسكرية الصهيونية الاستباقية على المقاومة في قطاع غزة الا قاب قوسين من هجوم السابع من اكتوبر، حيث لو لم يكن هناك السابع من اكتوبر لشهدنا ضربة عسكرية صهيونية استباقية على قطاع غزة في الاول من نوفمبر على سبيل المثال او الثامن من ديسمبر او غيره من التواريخ التي يتم اختيارها كساعة صفر للعدوان حسب ما تم التخطيط له وكشفه ليرتكب فيها الاحتلال كل الجرائم التي نشهدها حالياً من هولوكست وابادة جماعية وتطهير عرقي وتجويع تنفيذاً لاستراتيجيات العقيدة العسكرية الامنية سالفة الذكر.
ولكن المفارقة هنا أن المقاومة كانت له بالمرصاد وعلى قدرٍ من الدهاء والاستشراف الاستخباري فكانت المبادرة منها في الصدمة النفسية للعدو ومباغتته .
في ضوء ذلك فان السابع من اكتوبر هو الحتمية التاريخية للمواجهة بين المشروع الوطني الفلسطيني وبين المشروع الصهيوني الاستعماري الاحلالي التوسعي الذي يستعجل اليمين القومي الصهيوني معركة الحسم لاستكمال مشروع “اسرائيل الكبرى”، والا لماذا يُصراليمين الصهيوني الميسحاني على تحقيق هدف النصر المطلق في عدوانه عبر احتلال كامل قطاع غزة والشروع في تهجير السكان خارج حدود القطاع عبر هندسة الابادة والتجويع، ولماذا تُجمع كل الاطياف السياسية الصهيونية في الكنيست على قرارضم الضفة الغربية وبسط السيادة عليها واهالة التراب على ما تبقى من اتفاقية اوسلو وحل الدولتين، ولماذا يسعى الاحتلال الصهيوني الى شرعنة احتلاله لجنوب لبنان و تمدده في الجنوب السوري وسيطرته على كامل هضبة الجولان،،، وما تصريحات مجرم الحرب نتنياهو الاخيرة ومهمته الالهية بتنفيذ مشروع “اسرائيل الكبرى” ما هي الا امعان الحركة الصهيونية بكل اطيافها السياسية وجديتها بتنفيذ مشروعها التوسعي المتمثل ب”اسرائيل الكبرى” من الفرات الى النيل .
بالتالي لا يستقيم والحقيقة التاريخية تحميل المقاومة مسؤولية حرب الابادة الجماعية التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني في قطاع غزة كما يتداوله الاعلام الانهزامي في خضم الحرب النفسية الصهيونية لتبرأة الاحتلال من جرائمه المرتكبة بحق الانسانية وصناعة الذرائع لوحشيته .
فلم يُحمل التاريخ الثورة الجزائرية مسؤولية ارتقاء ملايين الشهداء في سبيل الحرية والاستقلال، ولم يبرأ الاستعمار الفرنسي من جرائم استعماره، كما لم يُحمل التاريخ الثورة الفيتنامية مسؤولية ارتقاء ملايين الشهداء الفتناميين على مذبح الحرية، لا بل لم تبرأ كل كتب التاريخ الاستعمار بشكل عام من جرائمه بحق الشعوب المستعمَرة .
فالى كل المهرجين الاستراتجيين لا تكونوا جنوداً للعدو في حربه النفسية… ان السابع من اكتوبر هو حتمية المواجهة التاريخية بين المشروع الوطني الفلسطيني التحرري وبين المشروع الصهيوني التوسعي الاحلالي، وأن انتصار المقاومة في هذه المواجهة هو تقويض للمشروع الصهيوني، فزوال “اسرائيل” يكون في اول هزيمة لها .