
الأردن… أرض العطاء التي لا تبخل، لكن أبناءها يُقصَون عن حقهم رزان كعابنة
الشعب نيوز:-
بلدي الذي استطاع أن يفتح ذراعيه للغريب، فمنحه وظيفة، ومأكلًا، ومسكنًا، وصحة، وتعليمًا، وأمنًا، وحقوقًا كاملة، قادرٌ دون شك أن يمنح أبناءه الشيء ذاته.
فالأرض ليست بخيلة على أولادها، بل إن من يتحكم بها هو الإنسان الذي يعيش فوقها، بوعيه وعدله ونزاهته.
الأردنيون الذين قدّموا أراضيهم يومًا لبناء المدارس لم يفعلوا ذلك ترفًا أو تفريطًا، بل إيمانًا عميقًا بأن الأرض كنز، وكرامة، وأمان من غدر الزمان، وأن مستقبل الوطن يبدأ من محو الأمية، ومحاربة الجهل، وبناء الإنسان قبل البنيان.
على هذه الأراضي شُيّدت المدارس، ثم الجامعات، فالمعاهد، فالأكاديميات، لتخرج اليوم الطبيب والمهندس والمترجم والممرض والمعلم، وكفاءات أردنية مشهود لها بالعلم والانضباط والتميّز.
لكن المفارقة المؤلمة أن هذه الكفاءات، وبعد سنوات طويلة من التعب والدراسة، تُقصى عن حقها الطبيعي في العمل. لا لقصور في علمها، ولا لضعف في كفاءتها، بل لأنها لا تملك «واسطة».
أصبحت الواسطة شرطًا غير معلن للتوظيف، وسمة أساسية لا غنى عنها، حتى تحوّل كثير من الشباب إلى أسرى منظومة غير عادلة، تُدار وكأنها جهاز تحكّم يُقصي من لا يملك مفاتيحه.
في محافظات الجنوب الأردني، تتجلّى المأساة بوضوح أكبر. في بيتٍ واحد قد تجد خمسة شباب أو أكثر عاطلين عن العمل، ينتظرون منذ سنوات فرصة تضمن لهم الحد الأدنى من الكرامة والاستقرار. مناشدات، طلبات، ووعود… لكن بلا نتيجة.
في المقابل، لا يبدو أن معيار العدالة هو الحاكم، بقدر ما يهم أن يكون «البعض» وأبناؤهم قد ضمنوا وظائفهم.
والحقيقة التي لا يمكن إنكارها أن الأرض الأردنية أرض ولّادة، خصبة، ومعطاءة، لا يمكن أن تبخل على أبنائها.
الشباب الأردني طموح، واعٍ، مثابر، وصبور رغم القسوة. يمتلك الرغبة والقدرة على البناء، ويستحق أن يكون في مقدمة من يحصل على فرص العمل في وطنه.
إن البطالة في الأردن لم تعد رقمًا في تقرير، بل تحوّلت إلى أزمة اجتماعية واقتصادية تهدد الاستقرار، وتستنزف طاقات الوطن.
حلّ هذه المشكلة لا يكون بالحلول المؤقتة أو الشعارات، بل بمعالجة جذرية تقوم على العدالة، وتكافؤ الفرص، وربط التعليم بسوق العمل، ومحاربة الواسطة بوصفها عدوًا خفيًا للتنمية.
الأردني يستحق أن يُكافأ على علمه، لا على علاقاته، وأن يُقيَّم بكفاءته، لا باسم من يقف خلفه.
فالأوطان لا تُبنى إلا بسواعد أبنائها، ولا تنهض إلا حين يكون الحق في العمل حقًا فعليًا، لا امتيازًا يُمنح لقلة دون غيرها.