حين تتقدّم الدولة خطوة… هيئة الإعلام تضبط بوصلـة الفضاء الرقمي كتب صفوان عثامنه

الشعب نيوز:-

 

لم يأتِ قرار تنظيم الإعلام الرقمي من فراغ، ولم يكن استجابة متأخرة لضغوط آنية، بل هو ثمرة إدراك رسمي عميق، بأن الفضاء الرقمي لم يعد مجرد ساحة للترفيه أو التواصل، بل ميدان حرب ناعمة، تزرع فيه قوى الظلام بذور الشك، وتحصد ثمار تفكيك الثقة بالدولة ومؤسساتها الراسخة. هنا، برزت هيئة الإعلام كقائد حكيم، تحوّل من دور مجرّد مراقب، إلى مهندس تنظيم مسؤول، يصمّم، ويبني نظما إعلامية رقمية متقدمة، بما يحاكي النظم المعمول بها في الدول الرائدة، في التعامل مع مخاطر الفوضى الرقمية دون المساس بجوهر الحريات.
وفي هذا السياق، فإننا في مبادرة مجموعة مع القائد الالكترونية التطوعية، نرى في هذا الإنجاز تتويجاً لمسيرة حوار ونضج، وتحقيقاً مباشراً لما دأبنا على التأكيد عليه والدعوة إليه. لقد كان شعارنا دوماً أن الحرية الحقيقية هي ابنة المسؤولية، وأن الفضاء الرقمي السليم هو ركيزة من ركائز الأمن الوطني. وبالتأكيد، ننظر إلى هذا القرار بأنه يتقاطع مباشرة مع توجيهات جلالة الملك وسمو ولي العهد في بناء إعلام مهني حديث، يحمي المجتمع، ويدعم الاستثمار، ويصون الحقيقة من العبث والتسييس. ويعزز بناء دولة مؤسسات، تعتمد التشريع الوقائي المتقدّم، لا العلاجي المتأخر، وتقدّم التنظيم بوصفه أداة حماية للحرية لا نقيضا لها.
قرار مجلس الوزراء بالموافقة على الأسباب الموجبة لمشروع نظام تنظيم الإعلام الرقمي لسنة 2026، وإحالته إلى ديوان التشريع والرأي، لا يمكن قراءته بوصفه إجراءً إداريًا فنياً، بل باعتباره حلقة أساسية في مسار تحديث التشريعات الإعلامية، وإعادة ضبط العلاقة بين حرية النشر ومسؤولية التأثير. وهو قرار يعكس قناعة راسخة بأن الانفلات الإعلامي ليس مساحة للحرية، بل ثغرة رخوة ينفذ منها أعداء الدولة لتفكيك الثقة ببطء، وتآكل صورة المؤسسات، وتحويل الشائعة إلى رأي عام.
الأهم في هذا النظام أنه لا يذهب إلى منطق التضييق، بل إلى منطق التفريق الذكي بين النشاط الإعلامي المهني المنظم، والمحتوى الشخصي للأفراد. فقد أوضحت الحكومة بوضوح أن الحسابات الشخصية على منصات التواصل الاجتماعي ليست مشمولة بالترخيص، وأن التنظيم ينصب على من يمارسون نشاطاً إعلاميا احترافيا في مجالات الإعلان والإنتاج وصناعة المحتوى التجاري. وهذا تمييز ضروري طال انتظاره، لأنه يحمي حرية المواطن، وفي الوقت ذاته ينظم السوق الإعلامي، ويمنع العبث باسم الإعلام.
ويُحسب لهيئة الإعلام أنها أدارت هذا الملف بروح تشاركية، من خلال مشاورات موسعة مع جهات رسمية ومؤسسات مجتمع مدني وقطاعات مهنية، قبل رفع مشروع النظام إلى الحكومة. وهو ما يمنح التشريع بعداً توافقياً، ويؤكد أن الهدف ليس فرض قيود، بل بناء بيئة تنظيمية واضحة، عادلة، ومحفزة على الاستثمار.
كما أن إدراج أخلاقيات استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي ضمن الإطار التشريعي للإعلام يُعد خطوة متقدمة تضع الأردن في مقدمة دول المنطقة التي تتعامل مبكراً مع مخاطر التضليل الممنهج، وتزييف المحتوى، والتلاعب بالصوت والصورة. وهذا يعكس وعياً عميقا بطبيعة التحولات التكنولوجية، وإدراكاً بأن حماية الوعي لا تقل أهمية عن حماية الحدود.
من هنا، فإن هذا النظام لا يخدم فقط الجسم الإعلامي، بل يخدم المجتمع ككل، ويحمي المنتجين المحترفين من سرقة المحتوى، ويصون حقوق الجمهور في الحصول على مادة إعلامية موثوقة، ويعيد الاعتبار لفكرة أن الحرية لا تكتمل إلا حين تكون محكومة بالمسؤولية.
إن ما قامت به هيئة الإعلام، وما أقرته الحكومة، يؤكد أن الدولة لا تنتظر حتى تتراكم الأزمات، بل تتحرك حين تكتمل الرؤية. وهذا هو الفارق بين دولة تدير المخاطر، وأخرى تلاحق نتائجها. فتنظيم الإعلام الرقمي اليوم هو استثمار في استقرار الغد، وحماية لوعي الأجيال القادمة، وسدّ مبكر للثغرات التي طالما تسللت منها الفوضى والشائعات والتحريض.
ولهذا كله، فإن القرار لا يستحق فقط الترحيب، بل يستحق البناء عليه، وتطوير أدواته، ومواكبة تطبيقه بروح تشاركية تضمن تحقيق أهدافه دون إفراط أو تفريط. فالدولة القوية لا تخشى التنظيم، والإعلام المهني لا يخاف القانون، والمجتمع الواعي هو المستفيد الأول من بيئة رقمية تتمتع بحرية منضبطة ومسؤولة.
القرار رسالة سياسية وتشريعية واضحة مفادها أن الأردن، بقيادته ومؤسساته، يعرف أين يضع قدمه في زمن الفوضى الرقمية… وأن هيئة الإعلام لم تنتظر تفاقم الخطر، بل بادرت إلى ضبط البوصلة قبل أن تنحرف!

قد يعجبك ايضا